في الخطاب الذي ألقاه وزير الدفاع إيهود باراك في معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط، بتاريخ 26 شباط 2010، تطرق بتوسع إلى المسألة الإيرانية، إلى النشاط الإيراني لامتلاك قدرة نووية، وتداعيات سياسة الدول العظمى وإسرائيل تجاهها. وعلى الرغم من البعد الضبابي في جزء من كلامه، تضمن خطاب باراك قرارا حاسما لا يقبل التأويل، وعلى قدر كبير من الأهمية. فكلامه يعبر عن تقدير الوضع السائد في إسرائيل حول أهداف النشاط النووي الإيراني، وعن الفجوات الموجودة بين إسرائيل والإدارة الأميركية، ومغزى ذلك وتأثيراته من وجهة نظر دولة إسرائيل. وفيما يلي أهم ما رود في كلامه:
أ- إيران لا تمثل تحديا وتهديدا على إسرائيل فقط، بل على المنظومة الدولية كلها. ومن الصعب التفكير بنظام عالمي مستقر في ظل وجود إيران النووية. إيران تحاول تحدي، خداع وردع العالم كله إزاء تطلعاتها في المجال النووي. إيران تحاول كسب الوقت كي تمتلك القدرة النووية العسكرية.
ب- هدف إيران لا ينحصر فقط في بناء منشأة نووية خام على غرار مشروع منهاتن (Manhattan project-like crude nuclear device). بل إن هدف إيران هو القفز إلى الجيل الثاني أو الجيل الثاني والنصف (second or second and a half generation) من االرؤوس النووية التي يمكن تركيبها على صواريخ أرض-أرض، ذات المدى الذي لا يغطي إسرائيل فقط، بل يطال موسكو وباريس أيضا.
ج- إيران النووي ستقود إلى تصفية إطار القواعد المطلوبة لمنع انتشار السلاح النووي (non-proliferation regime). فالسعودية، وربما دولة أُخرى أو دولتين في المنطقة، ستجد نفسها ملزمة بالحصول على القدرة النووية أيضا. ولاحقا يمكن أن يفضي الأمر إلى قيام حكام مستبدين من " الدرجة الثالثة" إلى العمل بصورة مماثلة.
د- النموذج الذي تضع إيران نصب أعينها هو النموذج الباكستاني وليس نموذج كوريا الشمالية. مغزى التمييز بين هذين النموذجين هو أن المر يتعلق، بصورة شبه مؤكدة، بتطلع إيراني لامتلاك قدرة نووية " صلبة" تستند إلى نطاق واسع من الرؤوس المتفجرة النووية والقدرة على إطلاقها لآماد طويلة، وليس الحصول على منصات إطلاق معدودة للاستعراض فقط.
ه- هذه الظروف تلزمنا اتباع سياسة واضحة تجاه إيران قبل أن تنجح في تحقيق تطلعاتها على المستوى النووي. هذه السياسة، يقول باراك، يجب أن تكون مكثفة، ملموسة وشاملة.
و- ثمة نشاط فعلي في اتجاه فرض عقوبات على إيران: ليس واضحا بعد درجة خطورة وشدة هذه العقوبات. باراك يتحدث عن خصائص العقوبات ( مؤذية وشالة وهادفة). نحن بالطبع نفضل الخيار الأكثر تشددا.
ز- نحن لن نتنكر للمسؤولية الملقاة على عاتقنا ولن ندخل في دائرة الوهم الذاتي. نحن لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بإغماض العين مقابل ما يحصل أمام أعيننا. لذلك، نوصي بعدم إزالة أي خيار عن الطاولة ( يقصد بالطبع الخيار العسكري).
مغزى كلام باراك
من قراءة كلام باراك بالمعنى الحرفي والمضموني لما بين السطور، يمكن أن نفهم أنه ثمة فجوة في النظرة إلى النشاط النووي الإيراني- مغزاه وخطورته. فالولايات المتحدة، كما يُفهم من كلام باراك، " يمكنها أن تتعايش" مع إيران النووية- على الرغم من تصريحاتها حول هذا الموضوع. لكن إسرائيل لا يمكنها التسليم بذلك. في هذه الظروف ينبغي على إسرائيل أن تحرص قبل كل شيء على مصالحها الوجودية. بأية حال، ينبغي الأخذ في الحسبان أن إسرائيل لا تستطيع أن تنسق كل خطوة من خطواتها مع الإدارة الأميركية.
يمكننا الافتراض أن أمورا مماثلة، ومن شبه المؤكد أكثر حسما وحزما، أُعلمت بها محافل رفيعة المستوى في الإدارة الأميركية من قبل باراك وشخصيات كبيرة أُخرى في إسرائيل. النتيجة التي تبدو ظاهرة للعيان هي أن إسرائيل نجحت في إقناع الإدارة بأن تهديدها بالعمل من جانب واحد ضد إيران هو تهديد جدي. وإذا صح هذا التقدير فهذا يعني أن الأمر يتعلق بإنجاز استراتيجي مثير لإسرائيل. ومن شبه المؤكد أن هذا الانجاز ينطوي في مضمونه على خلاصتين بالغتي الأهمية الاستراتيجية. بيت القصيد لهاتين الخلاصتين، هو أن الإدارة الأميركية تقدر بأن لدى إسرائيل الأمرين التاليين: القدرة العسكرية الكافية لخلق تهديد حقيقي على المشروع النووي الإيراني؛ والعزم والتصميم لتنفيذ هذا الخيار. مغزى هذا الأمر هو أن تهديدات إسرائيل بمهاجمة إيران لا تعبر فقط عن تكتيك " امسكوني" الرامي إلى ارغام الإدارة الأميركية على اتخاذ خطوات عنيفة تجاه إيران، وأنه ينبغي التعامل مع التهديدات الإسرائيلية بدرجة عالية من المصداقية.
هذا التقدير هو الذي يفسر الزيارات المتتالية لكبار المسؤولين الأميركيين لإسرائيل خلال الأشهر الأخيرة: رئيس وكالة المخابرات المركزية، لاون فنتا، زار إسرائيل في أيار 2009، وعاد لزيارتها مجددا في كانون الثاني 2010؛ رئيس أركان الجيوش الأميركية، مايكل مالن، وصل إلى إسرائيل ثلاث مرات منذ استلامه منصبه؛ مستشار الرئيس أوباما للأمن القومي جيمس جونس، زار إسرائيل في تموز 2009 وفي كانون الثاني 2010؛ رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون كيري، زار إسرائيل في شباط 2010. وهو تحدث بشكل صريح عن نية الإدارة الأميركية منع هجوم إسرائيلي على إيران؛ وفي خطوة تصب في الاتجاه ذاته، وصل إلى إسرائيل نائب الرئيس الأميركي، جون بايدن، في مطلع ذار 2010.
واللقاءات التي أجرتها هذه الشخصيات في إسرائيل جاءت استكمالا للقاءات عديدة أجرتها شخصيات رفيعة المستوى، من بينها رئيس الأركان غابي أشكنازي، في الولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، هذا الانجاز الاستراتيجي لإسرائيل يخلق التزاما كبيرا في كل ما يتعلق بالعملية العسكرية ضد إيران. إذا تبين- كما يمكن الافتراض- فشل المساعي لوقف النشاط النووي الإيراني، ستجد إسرائيل صعوبة كبيرة في الامتناع عن شن عملية عسكرية.
فالتهديدات التي أطلقتها إسرائيل قربتها كثيرا من نقطة اللاعودة في كل ما يتعلق بالعمل ضد إيران. وفي ظل غياب ظروف استثنائية، فإن امتناع إسرائيل عن تنفيذ تهديداتها ضد إيران من شأنه المس مسا شديدا بمصداقيتها وقدرة الردع لديها.
"مباط عال"
( نشرة تصدر عن مركز أبحاث الأمن القومي
في تل أبيب، العدد 169، 17 آذار 2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















