لم يخبرنا أحد من طرفَي الاتفاق الخاص بمشروع “سيلك لينك”، أنه مشروع تنفيذ مبكّر وطموح، وإن كان صغيراً، لجزء من مشروع “الممر الاقتصادي” بين الهند وأوروبا. لكن بالتدقيق في تفاصيله، من الصعب قراءته إلا من هذه الزاوية. الأمر الذي يطرح تساؤلات عن موقع إسرائيل منه، وهل يمكن إدماجها بالمشروع برمته، مستقبلاً، أم ستكون طرفاً مُخرّباً له؟
من بين المشاريع التي تم الاتفاق على تنفيذها بين سوريا والسعودية، أمس السبت، والتي تم وصفها بـ”الاستراتيجية” -وهو وصف محق إلى درجة كبيرة- يبدو مشروع “سيلك لينك”، الذي فازت بعقده شركة “إس تي سي” السعودية، المشروع الذي يتمتع بأكبر قدر من “الحمولة الاستراتيجية”. إذ أنه، لو وصل إلى الخواتيم المأمولة من جانب منفّذيه، لن يقتصر أثره على البعد المحلي السوري، بل سيكون له أثر إقليمي، يتجلى في إنشاء أول “وصلة رقمية”، ضمن مشروع الربط الرقمي الطموح بين جنوب آسيا وأوروبا، عبر الخليج وشرق المتوسط.
في أيلول/سبتمبر 2023، شهدت قمة مجموعة العشرين في العاصمة الهندية نيودلهي، الإعلان عن اتفاق لإنشاء “ممر اقتصادي جديد” يربط جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وانطلقت رهانات عدّة عليه، في أوساط الأطراف المنظّرة له، أبرزها، زيادة سرعة التجارة بين الهند وأوروبا، بنسبة 40%. وقد مثّل هذا المشروع طرحاً منافساً بشكل مباشر لأبرز مشاريع الصين، “الحزام والطريق”، أو ما بات يعرف إعلامياً بـ”طريق الحرير” الجديد.
وبعيد الإعلان عن مشروع “الممر”، ظهرت الكثير من القراءات التي قللت من شأنه، واعتبرته مجرد حملة علاقات عامة تديرها الولايات المتحدة –في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن- لاجتذاب الهند والسعودية والإمارات، بعيداً قليلاً عن الصين. وكانت أبرز الانتقادات له، تتعلق بالكلفة التمويلية الباهظة للمشروع، وجدواه الاقتصادية، خصوصاً في مساره المتخيّل لنقل البضائع بالبحر أولاً من الهند إلى الخليج، ومن ثم تفريغ هذه البضائع في شاحنات تُحمّل عبر سكك حديدية تمر عبر السعودية والأردن وصولاً لإسرائيل. قبل أن تُحمّل مجدداً، بالبحر، إلى أوروبا. وكانت التحليلات تفيد بأن تكلفة النقل، وفق هذا التصور، تُبقي الشحن البحري عبر قناة السويس، أقل تكلفة. لكن جوانب أخرى من المشروع لم تحظَ بنقاش جدّي حول جدواها في تقليل التكلفة، في ذلك الحين. أبرزها، تصدير الهيدروجين النظيف من الخليج إلى أوروبا. وكذلك، الربط الرقمي بين آسيا وأوروبا، عبر الخليج وشرق المتوسط. فالمشهد الاستراتيجي في المنطقة برمتها، لم يكن مؤهلاً بعد، لتنفيذ أي من مسارات المشروع. إذ بعد شهر فقط، من الإعلان عن مشروع “الممر” إياه، وقعت عملية “طوفان الأقصى” في غلاف غزة. والتي كانت فاتحة لحرب أليمة ومدمّرة للقطاع.. أضرّت بشدة بمشاريع التطبيع المزمعة قبيل ذلك، بين دول عربية وإسرائيل، في مقدمتها السعودية. وهكذا أصبح تمرير مسارات المشروع عبر إسرائيل، غير واقعي، في ذلك الحين. قبل أن يتغيّر المشهد في سوريا بصورة مفاجئة، ويسقط نظام الأسد، كأثر جانبي غير مرغوب به إسرائيلياً، بعيد ضربات تل أبيب الموجعة للغاية لأذرع إيران في المنطقة.
من بين مسارات مشروع “الممر”، يتصدّر الربط الرقمي القائمة بوصفه الأقل كلفة، والأسهل تنفيذاً، مقارنة بالربط “الطاقي” و”السككي”. التقط وزير الاتصالات السوري، عبد السلام هيكل، هذه القيمة الاستراتيجية -سهلة التنفيذ- في المشروع، وأدرك أنها تحظى باهتمام سعودي خاص. وفي بادرة ذكية، أطلق على مشروعه “سيلك لينك”، وصف “وصلة الحرير”، في حديث ترويجي أجراه عبر مجلة “المجلة” السعودية، في أيلول/سبتمر الفائت، قال فيه إن المشروع سيحوّل سوريا والأردن والسعودية، ممراً للكابلات، بحيث تكون سوريا، هي المدخل من أوروبا، والخليج هو المخرج إلى آسيا. وارتكز هيكل على الموقع الاستراتيجي لسوريا، بوصفه يوفّر لمشروع الربط الرقمي مساراً أقصر بنسبة 25%، مقارنة بالمسارات القائمة حالياً. وهو أمر لن ينعكس إيجاباً على سرعة الانترنت المأمولة في سوريا فقط -المدرجة كثاني أسوأ دولة في العالم من هذه الزاوية- بل سينعكس إيجاباً على مختلف الدول المرتبطة بهذا المسار، على صعيد سرعة نقل البيانات. الأمر الذي يمكن أن يجعل سوريا، مستقبلاً، مركزاً إقليمياً لتوطين مقرات مراكز البيانات العالمية، والخدمات التقنية المرتبطة بها، ومن أبرزها، الحوسبة السحابية، وعلى المدى الأبعد، “إنترنت الأشياء”.
بطبيعة الحال، المشروع طموح للغاية، وكما أشرنا، يحتوي “حمولة استراتيجية”، إقليمية، ودولية أيضاً. ويخدم جانباً من المسعى الأميركي الحثيث للجم الصعود الاقتصادي الصيني المتسارع. ناهيك عن أن كلفة تنفيذه متواضعة، مقارنة بأهميته -نحو 800 مليون دولار- والأبعد من ذلك، فإن نجاحه سيكون رافعة لمقاربة مسارات طموحة أخرى في مشروع “الممر”، على أرض الواقع. ونقصد تحديداً، نقل الطاقة. وهو المسار الثاني، من حيث الكلفة والجدوى، بعد الربط الرقمي. وسوريا أيضاً، هي المرشح الأكثر جدوى، لتمريره عبر أراضيها.
تبقى عقدة إسرائيل، والتي كانت إحدى أبرز مسارات ذاك المشروع، من الأردن إلى ميناء حيفا، حين الإعلان عنه، قبل أكثر من سنتين. لكن جدوى المسار عبر “أراضيها”، تراجعت، مع توفّر مسار عبر سوريا. الأمر الذي يجعلها متضررة من هذا “البروز” السوري. لكن، في الوقت نفسه، فإن مشروع “الممر” بين الهند وأوروبا، احتوى أهدافاً أميركية أخرى، أقل ترتيباً في جدول الأهمية بعد المنافسة مع الصين وجذب الشركاء الإقلميين بعيداً عنها. نقصد بذلك، هدف إدماج إسرائيل -سياسياً واقتصادياً- في المنطقة. وهو هدف في قائمة أولويات الإدارة الأميركية الحالية، أيضاً. لذلك تضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب، بشكل متواصل، على الحكومة الإسرائيلية، للتقدم في المفاوضات مع دمشق. وقد يكون اتفاق سلام تطبيعي، ليس بعيد المدى إلى الحد الذي يتصوره البعض، إن ارتكز على مبدأ عدم التخريب الإسرائيلي لمشروع الربط الطموح رقمياً، ومستقبلاً “طاقياً”، بين الهند وأوروبا، عبر الخليج ومن ثم الأردن وسوريا. وربما، عبر مسار إضافي، في إسرائيل. يبقى أن تتراجع الأولوية الأمنية درجة، عن قائمة مشاغل صنّاع القرار في تل أبيب… برعاية أميركية.
- المدن


























