دمشق ـ «القدس العربي»: سجلت سوريا أول حضور لها في اجتماعات «التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ انضمامها الرسمي إليه في تشرين الثاني الماضي، وذلك خلال اجتماع المديرين السياسيين الذي عقد أمس الإثنين، في العاصمة السعودية الرياض، حيث حضر وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة، حسين السلامة.
تطورات سياسية وأمنية
وتأتي هذه المشاركة في سياق تطورات سياسية وأمنية متسارعة، أبرزها التحولات في المقاربة الأمريكية للملف السوري، ولا سيما ما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية «قسد» في ظل نقل مسار الشراكة الأمنية من تلك القوات إلى مؤسسات الدولة السورية.
ووصف الشيباني، أمس الإثنين، الاجتماع بـ«المثمر والبناء» مؤكدا على دور بلاده في الشراكة والقيادة لمواجهة تنظيم «الدولة».
وقال: «تستعيد سوريا اليوم زمام المبادرة، مؤكدة دورها في الشراكة والقيادة لمكافحة تنظيم داعش، بما يعزز المصلحة الوطنية السورية ويحظى بدعم دولي متزايد».
وثمّن دور السعودية والولايات المتحدة والدول المشاركة في الاجتماع على «جهودها ودعمها لسوريا وشعبها».
وعلى هامش الاجتماع، التقى الشيباني وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان.
وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والعلاقات الثنائية وسبل تعزيزها بين البلدين الشقيقين، حسب وكالة « سانا».
كما عقد الشيباني لقاءً مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك، وفق ما أفادت به وزارة الخارجية عبر قناتها على «تليغرام» في خطوة تعكس مستوى التواصل السياسي القائم بين الجانبين.
وكانت وزارة الخارجية قد أكدت في 20 كانون الأول الماضي، التزام دمشق بمكافحة تنظيم «الدولة» ومنع أي ملاذات آمنة له داخل الأراضي السورية، داعيةً الولايات المتحدة ودول التحالف إلى دعم جهودها في هذا الإطار.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تحذيرات أطلقها مجلس الأمن الدولي في الرابع من شباط/ فبراير الجاري بشأن تنامي تهديد التنظيم وقدرته على التكيف والتوسع، مشدداً على أن مواجهته تتطلب تعاوناً دولياً شاملاً يستند إلى احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
يُذكر أن التحالف الدولي ضد «داعش» تأسس عام 2014 بقيادة الولايات المتحدة، ونفّذ عمليات عسكرية في سوريا والعراق بمشاركة عدد من الدول، قبل أن تنضم إليه سوريا رسميا أواخر العام الماضي.
وفي سياق قراءة أبعاد المشاركة السورية الأولى في اجتماعات التحالف الدولي بعد انضمامها الرسمي إليه، يرى الكاتب والباحث السياسي محمود علوش في حديث مع «القدس العربي» أن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، سواء على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة أو على مستوى إعادة صياغة دور التحالف داخل سوريا.
ويقول إن مشاركة سوريا في الاجتماع تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي بالتوازي مع خطوات أمريكية وصفت بالكبيرة تجاه دمشق، ولا سيما في ملف «قسد». ويعتبر أن التحول في المقاربة الأمريكية، والمصمم بدرجة رئيسية لإنهاء ملف الشراكة بين التحالف و«قسد» ونقلها إلى الدولة السورية، يمكن النظر إليه بوصفه أول وأبرز نتيجة عملية لانضمام سوريا إلى «التحالف الدولي».
للمرة الأولى… وخبيران تحدّثا لـ «القدس العربي» عن دلالات الخطوة
ويضيف أن هذا الانضمام ستكون له انعكاسات واضحة على ديناميكية الأمن في سوريا، وكذلك على سياسة التحالف نفسه داخل البلاد، إذ من المتوقع أن يتعزز دور دمشق كشريك أساسي في جهود مكافحة الإرهاب، وأن تنخرط بشكل أوسع في آليات التنسيق الأمني والاستخباراتي المتعلقة بملاحقة خلايا تنظيم «الدولة». كما أن النتائج المستقبلية لهذه العضوية ستظهر من خلال تمكين الدولة السورية على مستوى تطوير قدراتها الأمنية والاستخباراتية.
ولفت إلى أن العلاقة بين سوريا والتحالف الدولي لم تنضج بالكامل بعد، ولا تزال هناك ملفات تحتاج إلى تفاهمات واضحة، خصوصا ما يتعلق بالدور المستقبلي لسوريا داخل التحالف، وطبيعة الوجود العسكري للتحالف على الأراضي السورية، وآليات إشراف الدولة السورية عليه، باعتبار أن هذه المسائل باتت ترتبط مباشرة بالسيادة الوطنية، ولم تحسم بشكل نهائي حتى الآن.
وحسب علوش، فإن أولوية التحالف الدولي في المرحلة الراهنة تتمثل في مساعدة الدولة السورية على التعامل مع ما تبقى من تحديات أمنية مرتبطة بالإرهاب، بالتوازي مع استكمال عملية نقل الشراكة الأمنية من «قسد» إلى دمشق. ويشير إلى أن التنسيق بين الجانبين شهد نموا ملحوظا في الفترة الأخيرة، وقد انعكس ذلك في مستوى العمليات الأمنية والتعاون الاستخباراتي في مكافحة تنظيم «الدولة» متوقعا أن يتعزز هذا المسار خلال المرحلة المقبلة.
وحول أبرز التحديات التي تواجه هذا التعاون، يرى المتحدث أنها تتمثل في مسألة إعادة صياغة دور التحالف في سوريا، خصوصا بعد أن أصبحت دمشق عضوا فيه، ما يفرض ضرورة الاتفاق على إطار جديد ينظم وجوده العسكري ومستقبل هذا الوجود، في ظل توجهات داخل الإدارة الأمريكية نحو تقليص أو إنهاء الانتشار العسكري مستقبلا.
ويؤكد علوش أن أي تنسيق متقدم بين سوريا والتحالف ستكون له انعكاسات إيجابية على جهود مكافحة الإرهاب، سواء على مستوى تبادل المعلومات والعمليات المشتركة، أو على مستوى استفادة سوريا من خبرات دول التحالف في تطوير قدراتها الأمنية والعسكرية.
كما أن هذه الشراكة قد تفتح الباب أمام تعزيز التعاون الإقليمي مع دول الجوار، مثل تركيا والأردن والعراق ولبنان، في مواجهة تهديدات التنظيم.
ويختم علوش بالإشارة إلى أن سوريا أصبحت اليوم شريكا في التحالف الدولي، وأن اهتمام دوله بات يتركز على تعميق هذه الشراكة مع الدولة السورية، بما ينعكس على أكثر من مستوى سياسي وأمني في المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد هواس أن اجتماع الرياض يحمل دلالات سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.
ويقول هواس لـ «القدس العربي» إن الاجتماع الذي عقد في الرياض يؤكد أن التحالف الدولي لم يعد يتعامل مع «قسد» بوصفها الشريك الأساسي في ملف محاربة تنظيم «داعش» بل بات يتعامل مع الدولة السورية بشكل مباشر، وهو ما يراه مسارا طبيعيا بعد الإعلان الرسمي عن انضمام سوريا إلى التحالف الذي تشكّل عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة.
ويضيف أن المشاركة السورية في هذا الاجتماع، بوصفه الأول من نوعه بعد الانضمام، تعكس جملة من الأهداف على المستويين المحلي والدولي. فعلى المستوى الداخلي، تسعى دمشق إلى التأكيد على أن كامل الأراضي السورية يقع تحت سلطتها، وأنها الجهة المعنية حصرا بإدارة ملف مكافحة الإرهاب داخليا وخارجيا. أما على المستوى الدولي، فتعني هذه المشاركة أن سوريا باتت دولة يتم التعامل معها رسميا في هذا الملف من قبل الدول الأعضاء في التحالف، وهو ما يدفعها إلى تقديم نفسها بوصفها دولة موحدة ذات قرار مركزي وإدارة واحدة.
ويرى هواس أن التعاون مع التحالف الدولي لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يتطلب دعما عمليا للقوات السورية، من خلال تزويدها بتجهيزات حديثة تتناسب مع طبيعة المعركة ضد «داعش» إذ إن المواجهة لم تعد حرب جيوش نظامية تقليدية، بل باتت تعتمد على ملاحقة خلايا نائمة أو أفراد يتحركون وفق مبدأ «الذئاب المنفردة».
وهذا الواقع، حسب تعبيره، يستلزم تعزيز قدرات الاستخبارات السورية، وتزويدها بقواعد بيانات دقيقة تتعلق بالتنظيم، وأفراده، وقياداته، وأماكن تموضعه وانتشاره.
تعزيز قدرات الاستخبارات
ويؤكد أن مكافحة «داعش» لا يمكن أن تكون عسكرية فقط، بل يجب أن تترافق مع معالجات اقتصادية واجتماعية وفكرية في المناطق التي ينشط فيها التنظيم، باعتبار أن البيئة الهشة اقتصاديا واجتماعيا قد تشكل أرضية خصبة لعودة التطرف، ما يجعل المقاربة الشاملة ضرورة لضمان استدامة نتائج المواجهة الأمنية.
- القدس العربي


























