اسعد حيدر
أن تكون القمة العربية في سرت قمة المفاجآت، ليس غريباً. العقيد معمر القذافي، المضيف للقمة، لا يمكنه الا ان يضفي عليها طابعه الشخصي وبصماته القديمة منها والحديثة. وجود هذا الحشد من الملوك والرؤساء والامراء والمسؤولين العرب لا بد إلا ان يذكّره بموقعه القديم المزدوج "أميناً" للقومية العربية و"الثوري" الذي لم يترك ثورة أو ما يشابهها أو يتستر باسمها إلاّ وقدّم لها الدعم من جهة، وموقعه الجديد "ملكاً للملوك في افريقيا" والواقعي جداً بعد مصالحته مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جهة أخرى، هذه المصالحة التي كلفت الشعب الليبي مليارات النفط سنوات. البداية كانت من دعوته "لحزب البعث العراقي" الى ليبيا. هذه الدعوة أرادها "رسالة" الى واشنطن بأنه ضد "الاحتلال" وأن بقاياه الثورية الكامنة في أعماقه ما زالت قابلة للاستنهاض رغم معرفته الكاملة بحدود قدراته على المقاومة. المفاجأة وجّهت "طعنة" الى الحكومة العراقية التي يستضيفها. في هذه العلاقة المزدوجة يكمن الانفصام في المسار السياسي للقذافي.
لم يعد من المهم كثيراً ماذا يخبّئ القذافي في خطابه الافتتاحي للقمة. المفاجأة جاءت من "إمارة" غزة. حركتا "حماس" و"الجهاد"، فرضتا بالقوة مشاركتهما في هذه القمة. لم تتم دعوتهما، لانه لا يمكن الجمع بين "السلطة" و"الإمارة"، لأن شرعية النظام العربي تغلبت على طموحات "اخوان الامارة" فكان لا بد كما يبدو من طرق باب القمة بعملية عسكرية ضد القوات الإسرائيلية.
لو كان لهذه العملية سابقة منذ حرب "الرصاص المسكوب" لما فوجئ بها أحد، كون العملية جاءت من قلب الصمت الذي يتم فيه تثبيت "الامارة" بعيداً عن المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وبهذا التوقيت الاحتفالي لا بد من طرح الف سؤال وسؤال حول أهدافها وأين تصب في النهاية.
رمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كان قد عبّر قبل يوم واحد، عدم توقعه من أن تقدّم القمة العربية أي شيء مهم لفلسطين، فكانت العملية كما يبدو لتقديم "أشياء مهمة" للشعب الفلسطيني الممزق تحت الاحتلال، لأنه حتى ولو كانت شوارع غزة خالية من الحواجز الإسرائيلية، فإنها للأسف تحت الاحتلال غير المباشر. يكفي مراقبة الحصار الرهيب والمرفوض جملة وتفصيلاً لتقويم ما يحصل. اما الخيارات التي طرحها شلح أمام العرب فهي ثلاثة في واحد:
[ "أن يتم طرح مبادرة سلام بديلة للمبادرة العربية وهي ليس بمصلحة العرب لانه سيتم تفصيل السلام على قياس إسرائيل".
[ "الحرب. فالعرب لم يعرفوا الحرب منذ العام 1982"، وهنا سؤال بديهي ماذا عن حرب 2006 ألم تكن حرباً من حروب العرب المجلية؟.
[ "اللاحرب واللاسلم. وهو الخيار المناسب للعرب على أن يتركوا للمقاومة وقواها ان تدافع عن شعبها ومقدساتها". أي المطلوب من العرب وهم 22 دولة و300 مليون عربي أن يسلموا أمرهم لشلح وغيره يقررون عنه ما يرونه مناسباً للتحرير.
لو كانت حركتا "حماس" و"الجهاد" تملكان تقديراً يراعي مصلحة شعبهم" كما يقول شلح، "لكان تسليم القرار لهما أمراً طبيعياً. أما أن تتم المواجهة في هذا التوقيت الدقيق وفي وقت يعترف بها الجميع "بأن القضية الفلسطينية تقف على مفترق طرق"، فإن في ذلك ما يجعل من رفض التسليم أمراً مشروعاً.
المقاومة واجب وطني وقومي لتحرير الأرض واسترداد كرامة كل عربي من المحيط الى الخليج. لكن أيضاً المقاومة تعتمد على استراتيجية الحسابات للقوى الذاتية ولقوى العدو من جهة، ولكل الشروط والأوضاع القائمة والمتوقعة من أجل النجاح من جهة أخرى.
المقاومة لا تعني الدخول في الحائط. المقاومة تكون في مواجهة مستمرة، وحفراً دائماً في الجدار حتى ينهار مع الزمن. أما المقاومة الموقوتة على مناسبات معينة مهما كانت أهميتها فإن كلفتها أكبر من مردوداتها.
أخطر من ذلك، عملية غزة التي طرقت بها "حماس والجهاد" أبواب القمة العربية، حفرت عن حسن نية أو سوء تقدير خندقاً أمام مسار "السياسية الأوبامية" مع اسرائيل وباتجاه الصراع العربي الاسرائيلي. من المؤكد ان الرئيس الأميركي ليس نصيراً للقضية العربية، المؤكد انه ملتزم بالمصلحة القومية الأميركية، يعمل كل ما بوسعه لحمايتها ودعم استراتيجيتها، حتى ولو كانت في كثير من الأحيان على حساب الشعوب. لكن أيضاً في واشنطن حالياً صوت للعقل، يجب دعمه وتقويته حتى يستمر في النهوض والتبلور.
ما حصل في خان يونس، وبنيامين نتنياهو عائد من واشنطن ومعه "مسودة تفاهمات تنتظر منه 13 خطوة لإعادة الثقة معها". هذا تحول مهم وخطوة كبيرة جداً الى الأمام، كان يجب دعمها لا ضربها، والسماح لنتنياهو بالاستقواء على أوباما. للتذكير فقط وكما تسرب حتى الآن، فإن المسودة التي تتوقع أجوبة ايجابية عليها من الحكومة الاسرائيلية تضم:
[ "تعليق البناء في المستوطنات ولجم البناء في القدس الشرقية (وليس القدس عاصمة اسرائيل كما يقول نتنياهو).
[ "نقل مناطق جديدة في الضفة الغربية لسيطرة السلطة الفلسطينية".
[ "اطلاق ألف أسير" (أي الرقم نفسه الذي طالبت به "حماس" مقابل الأسير الاسرائيلي شاليط).
[ "أن تعرض اسرائيل قريباً مواقفها من قضايا اللاجئين والحدود والقدس".
[ "أن توافق على استكمال مفاوضات الحل الدائم في غضون عامين".
أخطر من كل هذه المطالب بالنسبة لاسرائيل، ان تبحث الادارة الاميركية "مسألة السلاح النووي الاسرائيلي خلال المؤتمر الذي تعتزم عقده قريباً بشأن الحد من انتشار السلاح النووي.
مبروك لحركتي "حماس" و"الجهاد" مشاركتهما "بالقوة" في القمة العربية في "سرت"، والتعازي الحارة لهما في انجاز هذا النجاح غير المسبوق في عرقلة مسار أوباما الجديد على الادارات الأميركية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي، الذي بالتأكيد هو مسار الألف ميل الذي بدأ بخطوة.
assaadhaidar@hotmail.fr




















