السؤال في سوريا اليوم لا يتعلق بطبيعة القرارات التي تُتخذ، بقدر ما يتعلق بالطريقة التي تتخذ فيها: هل نحن أمام منطق دولة يقوم على المؤسسات والتخطيط، أم أمام منطق سلطة محكوم بالارتجال وردّ الفعل؟
فالقرارات والتعاميم التي تظهر فجأة، ثم تُسحب عند أول اعتراض، تكشف أن الارتجال أصبح أسلوباً مفضلاً في الحكم. قرارات بلا تشاور ولا دراسات أثر، تُلقى في الفضاء العام لاختبار غضب الناس، ثم يبدأ مسلسل التراجع: نفي، تبرير، توضيح، وأحياناً إلغاء كامل. وبعض القرارات باتت تتدخل حتى في المجال المدني والسياسي، فتمنع أو تقيد أنشطة يفترض أن تكون جزءاً طبيعياً من الحياة العامة. وهذا كله يدل على غياب المسار المؤسسي وتقدّم المزاج الشخصي أو الأمني على منطق الدولة.
تعميم محافظ حماه ، وعودة “الموافقات الأمنية”
أحدث مثال على هذا النمط، كان تعميم محافظ حماه في كانون الثاني 2026، الذي أعاد فيه منطق الموافقات الأمنية إلى الواجهة بقوة. فقد اشترط الحصول على موافقة مسبقة لإقامة أي نشاط عام أو خاص ثقافي، اجتماعي، خيري، أو حتى احتفالي. ما أثار موجة انتقادات واسعة لأنه بدا وكأنه يعيد إنتاج منطق “الموافقات الأمنية” الأسدية، ويضع الحياة المدنية والاجتماعية تحت وصاية مباشرة، وتحوّل أبسط المبادرات المدنية والسياسية إلى ملفات تحتاج إذناً مسبقاً مرة أخرى. وقد ظهر هذا المنحى الأسبوع الماضي حين مُنع اجتماع للحركة السياسية النسوية السورية في دمشق من قبل وزارة الخارجية، ما اضطرها إلى عقده في بيروت.
تعميم محافظ اللاذقية بمنع المكياج
وإذا كان التضييق على الأنشطة المدنية يعبّر عن ارتجال في إدارة المجال العام، فإن ما حدث في اللاذقية يكشف ارتجالاً أشد عبثية، لأنه يتدخل في تفاصيل الحياة الشخصية. وهذا ما تجسّد بوضوح في تعميم محافظ اللاذقية بمنع الموظفات من وضع المكياج. والمشكلة ليست في مضمون التعميم فحسب، بل في طريقة التفكير التي أنتجته: مسؤول يتحرك بدافع تصور شخصي لما هو “لائق”، من دون أي اعتبار لحقوق العاملات أو لسمعة المؤسسة، ثم يناور تارة بالنفي وتارة بالتوضيح حين يكتشف حجم الاعتراض. هذا المثال، رغم بساطته الظاهرية، يكشف بنية ذهنية كاملة: قرارات تُصنع بلا أي دراسة، ثم تُلقى في الفضاء العام لاختبار رد الفعل، وكأن المجتمع مختبراً للتجارب لا شريكاً في صنع السياسات.
رفع تعرفة الكهرباء: ارتجال اقتصادي يطال كل بيت
الارتجال لا يتوقف عند حدود القرارات الإدارية والمهنية؛ بل يتجلى بأشد صوره قسوة في الملفات المعيشية. قرار رفع تعرفة الكهرباء، كما ظهر في فواتير دورة كانون الثاني 2026، طبّق المنطق نفسه بأدوات اقتصادية: زيادة كبيرة على فواتير شريحة واسعة من المواطنين، خدمة متقطعة، عدم تكافؤ في توزيع التغذية والامتيازات، ثم تبرير رسمي غير مقنع وجد معه المواطن أمام أمرين أحلاهما مرّ: إما دفع فاتورة لا تتناسب مع دخله، أو الامتناع عن الدفع كخيار اضطراري. من هنا وُلد شعار “لن ندفع” كتعبير عن عجز وغضب في آن واحد.
هل سُئل المواطن عن رأيه قبل أن يُطلب منه تحمّل العبء؟ هل سبقت القرار حملة مصارحة حقيقية بالأرقام والإيرادات والبدائل؟ الواقع يقول إن القرار نزل على الناس كما نزلت التعاميم، فجأة، من دون مشاركة، ومع رهان مضمر على أن الاعتراض سيبقى في حدود العالم الافتراضي.
القضاء: ارتجال في مؤسسة يُفترض أن تكون الأكثر حصانة
والقضاء نفسه لم يسلم من الارتجال. فقد صدر قرار بتعيين شخص خريج معهد شرعي رئيساً للنيابة العسكرية وللمحكمة العسكرية بالوقت نفسه، أي أن القرار وضع في يد شخص واحد أخطر سلطتين في العملية القضائية: سلطة الادعاء وسلطة الحكم. هذا الجمع المحظور قانوناً في كل دول العالم ينسف مبدأ الحياد من أساسه، ويحوّل المحكمة إلى خصم وحكم في آن واحد. والأخطر من ذلك هو محاولة البعض تقديم هذا التعيين كإجراء طبيعي في سياق “المرحلة الانتقالية”، والإيحاء بأن ظروف الدمج المؤسسي تسمح بتجاوز الشروط القانونية في هذه المرحلة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ جرى الأسبوع الماضي تعيين وزير العدل السابق شادي الويسي نائباً لرئيس محكمة النقض، رغم أنه لا يحمل شهادة الحقوق بل يحمل شهادة في الشريعة فقط. وهو تعيين أثار جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب مخالفته الصريحة لقانون السلطة القضائية، الذي يشترط المؤهل القانوني والتدريب القضائي، بل أيضاً بسبب ما أثير حول الوزير السابق من شبهات تتعلق بسلوكه خلال عمله السابق في أدلب. هذا النوع من التعيينات يشكّل خرقاً مباشراً للقانون ولمبدأ الكفاءة المهنية، ويكشف أن الاعتبارات الشخصية والسياسية تتقدم على المعايير التي يفترض أن تحكم أعلى سلطة قضائية في البلاد.
وليس ما ذُكر سوى نماذج من سلسلة طويلة من القرارات التي جرى إصدارها ثم التراجع عن بعضها، من تغيير أسماء مدارس إلى قرارات قضائية ونقابية سبق أن تناولنا بعضها في “المدن”. وهذا ما يعني أن المشكلة لم تعد في حادثة بعينها، بل في نمط حكم يتكرر بلا مراجعة.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة جميعاً لا يمكن اختزاله في تعاميم متسرّعة أو قرارات فردية تفتقر إلى الدقة، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نمط حكم يقوم على الارتجال لا على التخطيط، وعلى ردّ الفعل لا على بناء السياسات، نمط يجعل حياة الناس وحقوقهم ومؤسساتهم عرضة لتقلبات المزاج الشخصي أو الحسابات الضيقة، ويترك المجتمع في حالة ترقّب دائم لقرارات قد تُصدر فجأة وتُسحب فجأة.
والانتقال من هذا المنطق إلى منطق الدولة لا يتطلب معجزات، بل يبدأ بخطوة أساسية: إعادة بناء سلسلة القرار بحيث تصبح واضحة ومسؤولة وقابلة للمراجعة. من يضع القرار؟ من يراجعه؟ ومن يتحمّل تبعاته؟ من دون هذه السلسلة سيبقى المواطن يدفع ثمن قرارات لم يُستشر فيها، ولا تُصحَّح إلا بعد اعتراض واسع من الناس.
فالمسألة، في جوهرها، ليست تعميماً أو فاتورة أو تعييناً مثيراً للجدل، بل سؤال عن شكل الحكم الذي نريد أن نعيش في ظله: حكمٌ يرى في المجتمع شريكاً، أم مختبراً للتجارب. والجواب على هذا السؤال هو ما سيحدد ملامح سوريا الجديدة.
- المدن


























