صار من الثوابت السياسية الإقليمية والدولية الدعمُ الراسخ للسلطة الانتقالية في دمشق. ليس هذا الدعم مطلقاً، ولكن الشروط المرافقة له ليست اشتراطات سياسية مُلزمة. هي موجودة في قرار مجلس الأمن 2799 (رُفع بموجبه اسم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب، ووُضعتْ سورية تحت الفصل السابع)، وفي القرار الأميركي لرفع العقوبات التي فُرضت بموجب قانون قيصر، وهي مرافِقة للسياسات الأوروبية والبريطانية تجاه حكومة دمشق. القضية هنا أن الدعم هو الأساس، وهو ما تعيه السلطة في دمشق، ولهذا لا تتقيّد بتلك الشروط فتذهب نحو عملية سياسية شاملة، كما نصَّ القرار الأممي مثلاً.
بدا أخيراً أن هناك اعتراضات أميركية ضدّ الشرعنة الكاملة للشرع، وظهر هذا في اجتماعات للكونغرس والاتحاد الأوروبي، وصدرت عنهما بيانات وتقارير هي أقرب إلى التوصيات، وليس لها أيُّ أبعادٍ تشير إلى التراجع عن الدعم الدولي. هي داعمة للحقوق الكردية، وللأقليات بصورة عامة. تخطئ القوى السياسية للأقليات في توخّيها الخير والدعم بالضدّ من حكومة دمشق. لا تشكّل هذه “التوصيات” خطراً على السلطة؛ فقد تراجعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن الرقّة ودير الزور حينما أدركت التخلّي الدولي عنها، وأنه في حال الاستمرار في السياسة الانعزالية ذاتها سيكون هناك خطرٌ على مستقبلها بالذات. يصحّ هذا على تيار حكمت الهجري في السويداء، أو تيار غزال غزال في الساحل. لا يفيد، بحضور الدعم الأميركي والخليجي والتركي، إيلاء كبير أهمية للسياسة الصهيونية في الداخل السوري، التي تريد تفكيك العلاقة بين الجماعات السورية وتوريطها في المعارك، كما حصل في السويداء أو من خلال دعمٍ سياسيٍّ محدودٍ لـ”قسد” مثلاً. الدعم الأميركي، وكما يقيّد السياسة التركية بمقدار معيّن، يقيّد كذلك السياسة الصهيونية داخل سورية. في هذه المسألة بالتحديد، لن تتخلّى أميركا عن الأمن الصهيوني أو التركي داخل سورية، ولكنّها لن تدعم، كما توضّح، أيّ ميولٍ انفصالية لدى “قسد” أو حتى تيار الهجري. ومن هنا، تخلّت عن تطلعاتٍ كبيرةٍ لـ”قسد”، ولم تدعم تيار الهجري بشكلٍ يقود إلى تحقيق مطالبه في نمط الدولة “اللامركزية” أو السلطة “الديمقراطية” في دمشق، ودعمت فقط عودة السويداء إلى السلطة المركزية في دمشق، من دون خطّة وطنية تُعالج الانتهاكات، وهذا لا بدّ أن يحصل لاحقاً.
أخطأت السلطة بتبنّيها سياسة اقتصادية “حرّة”، ورفعت أسعار الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات
بعدما تخلّت أميركا عن “قسد”، تخلّت الأخيرة عن التنسيق مع السويداء أو غزال غزال، أيْ إن “قسد” عادت إلى التعبير عن الحقوق الخاصّة بالسوريين الكرد، ولم يعد مطروحاً أن تكون شريكةً في السلطة أو الدولة، وكذلك يمكن قراءة المشهد أن تكون “شراكتها” في إطار المحاصصة المناطقية “القومية”، وهو بالذات ما سيُطرح أمام الهجري، الممثّل الأوسع للسويداء في هذه الفترة؛ أي المحاصصة الطائفية. جدير بالذكر أن هذا يتوافق مع الرؤية الأميركية، التي تصرُّ على وحدة سورية ورفض التقسيم، وعلى التصالح مع الدولة الصهيونية وتلبية الشروط الأميركية، وأيضاً مع الدعم الخليجي، ولا سيّما السعودية وقطر.
الدعم الدولي هو دعم سياسي بالدرجة الأولى، ويرافقه رفع العقوبات ومحاولة إعادة العلاقات الاقتصادية مع العالم، ولكن لم يرافقه دعم اقتصادي، ولم يُعقد بعد مؤتمر لإعادة الإعمار. فهل السبب عدم استجابة السلطة للاشتراطات السياسية أعلاه؟ أبداً؛ هناك قضايا ترتبط بتغييرات كبرى يجب أن تتقدّم بها السلطة، ومنها ملفّ إبعاد “المجاهدين” الأجانب عن الجيش أو السلطة عامّة، ومنها إقرار قوانين دقيقة للاستثمار، وضبط الوضع الأمني بشكل دقيق، ومنها “فيتو” صهيوني على الدعم الواسع للسلطة، وإيجاد اتفاق أمني يخصّ الجنوب أولاً… إذاً هناك قضايا كثيرة يتحتّم على سلطة دمشق الوفاء بها ليتدفّق رأس المال، الخارجي، والوطني كذلك.
ولكن هل سيتدفّق رأس المال بالفعل؟ التدقيق في الاتفاقات الموقّعة بين السلطة في دمشق وشركات الاستثمار يوضّح محدودية أهميتها، فأغلبها مذكّرات تفاهم، والاتفاقات الحقيقية منها ضئيلة، وأثرها سيكون بعد عدّة أعوام (النفط والغاز والكهرباء)، ومن ثم لن يتغيّر الوضعان الاقتصادي والاجتماعي، والأسوأ أنّ تغيّره المحدود “ارتفاع نسبة النمو” لا يتم وفقاً لخطّة وطنية للاقتصاد تراعي مصالح الأكثرية ووضع البلد المدمّر اقتصادياً أو اجتماعياً؛ 90% تحت خطّ الفقر بسبب سياسات نظام بشّار الأسد.
التدخّل الأميركي المباشر في التفاوض بين السويداء ودمشق سيفتح المجال لتوحيد البلاد
أخطأت السلطة بتبنّيها سياسة اقتصادية “حرّة”، ورفعت أسعار الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات، ولم تضع حدّاً لأسعار الإيجارات، وهذا فجّر تذمّراً شعبياً واسعاً ومطالبات بالتراجع عن رفع سعر الكهرباء بصورة خاصّة، وبأن ترفع الأجور. خسرت السلطة كثيراً من الدعم الشعبي؛ لقد تظاهر “السنّة”، ومن ثم، لم تعد الاحتجاجات خاصّة بـ”الأقليات” القومية والدينية.
هل تتنبه السلطة إلى خطورة سياساتها؟ تكمن القضية في رؤيتها “الفلسفية” للاقتصاد ولدور الدولة، التي تراها “ليبرالية”، وأن للدولة دوراً محدوداً وهامشياً في الاقتصاد أو حماية الاقتصاد والمجتمع، ولهذا تتزايد الاحتجاجات، وقد تتضاعف في الشرط السوري كثير التأزم. خيارات السلطة الاقتصادية قد تقود إلى الانفجار المجتمعي، فالفقراء في ازدياد (المعلّمون، وعمّال النقل، الكتلة الضخمة المتضرّرة من رفع أسعار الكهرباء، وهناك المتضرّرون من تأخر العدالة الانتقالية)، والثروة تتمركز لدى فئات بعينها، والاستثمارات الخارجية ستكون محدودة الأثر، وضارّة بمصالح الأكثرية، والمثال الأكثر وضوحاً هو رفع تسعيرة الكهرباء.
هناك حالياً ضغط دولي لإعادة السويداء و”قسد” وفقاً لللامركزية الإدارية الموسّعة، وضمن الاعتراف بحقوق أقلياتية وضمن مناطقها بالتحديد. هذا شكل من المحاصصة، التي رفضتها طويلاً سلطة دمشق، ولكنّها أصبحت تتبنّاها بصيغة ما، ولكن هل ستطبّقها بالفعل؟ أم هناك إمكانية لتفجّر الصراع من جديد مع “قسد” أو الهجري؟ الاحتمالان متساويان.
دمشق مثقلة بأزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة، والأقليات تبدو بلا دعمٍ لمشاريعها الانفصالية
يؤكّد الدعم الدولي لدمشق حقوقاً محدودةً للكرد أو للدروز، فهل تقبلها (وتلتزم بها) كلٌّ من دمشق والحسكة والسويداء؟ يبدو أن الحسكة تتجه نحو ذلك، وحصلت على بعض الحقوق: فرقة واحدة بثلاثة ألوية عسكرية، ومحافظ للحسكة، ونائب لوزير الدفاع، وحصّة من الثروات ومناصب أخرى؛ السويداء ربّما ستتجه نحو صفقة مشابهة للحسكة. الانتهاكات التي تعرّضت لها السويداء تتطلّب تدخّلاً دولياً أو إقليمياً لإيجاد حلول حقيقية للعلاقة بين المحافظتَين، ولا سيّما أن دمشق والسويداء تبدوان بعيدتَين عن التخاطب المباشر. التدخّل الأميركي المباشر في التفاوض بين “قسد” والسلطة في دمشق يجب أن يتكرّر في التفاوض بين السويداء ودمشق، وهذا وحده ما سيفتح المجال لتوحيد البلاد.
هذه التسويات، التي قد تحدُث مع السويداء وتستمرّ مع الحسكة، لا تترافق مع تغيّرٍ في السياسات العامّة لسلطة دمشق، التي تتجه نحو مزيد من المركزية وإلى الإقرار بنوع من الحقوق الأقلياتية الكردية والدرزية (المحاصصات الطائفية والقومية)، وهذا سيفتح الباب لأمرَين: إمّا أن تتجه هذه الأطراف إلى مزيد من التشاركية السياسية والإقرار بالتعدّدية، وهذا لصالح السوريين كلّهم، وإما أن تستمرّ في نوع من التكاذبية السياسية، وتمرير الوقت، والعمل من أجل إقصاء بعضها، وهذا طريق الفشل؛ فلا دمشق، وفقاً لسياساتها العامّة، تسير نحو الصواب، ولا تمريرها للوقت، هي وتلك الأطراف، بسياسة صائبة. ومن ثم قد تتعمّق الأزمات، وقد تنفجر في النهاية، وهذا ضدّ مصلحة السوريين.
الآن، دمشق مثقلة بأزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة، والأقليات تبدو بلا دعمٍ لمشاريعها الانفصالية، فهل تتجنّب الأطراف كافّة السياسات التحاصصية الفاشلة، وتتجه لإنقاذ نفسها، وتتبنّى سياسات دولتية وشعبية، مركزية أو لامركزية، وبما يحقّق مصالح جميع الأطراف؟ الفشل ممكن، والنجاح ممكن، والتحليل أعلاه يساعد على تلمّس الخيارَين.
- العربي الجديد


























