ليست الهجمات التي شهدتها مدينة الرقة خلال الأيام الماضية، حدثاً أمنياً عابراً. فهي تعيد إلى الواجهة ملف نشاط خلايا تنظيم “داعش” في شرق سوريا، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
الهجمات لم تأتِ من فراغ. فخلال الأيام الماضية، تصاعدت معلومات عن اتصالات وتحركات في البادية السورية ومحيط تدمر والرقة ودير الزور والحسكة، مع حديث عن محاولات إعادة تنشيط شبكات تنظيمية واستقطاب مجموعات محلية.
المنصورة… مؤشرات انغلاق مقلقة
بالتزامن مع هجمات الرقة، تحدثت مصادر محلية لـ”المدن”، عن إجراءات مشددة في منطقة المنصورة غرب الرقة، ووصفتها بأنها “منطقة شبه مغلقة” خلال اليومين الماضيين، مع انتشار عناصر مسلحة يُشتبه بانتمائهم إلى خلايا التنظيم.
وتفيد المعلومات بأن الريف الغربي للرقة يشهد نشاطاً متزايداً لخلايا تتحرك ليلاً وتتفادى الاحتكاك المباشر، مع اعتماد أسلوب الضرب والانسحاب. وتشكل ناحية المنصورة حلقة وصل جغرافية مهمة بين الرقة والطبقة والبادية، ما يمنح أي نشاط فيها قيمة استراتيجية، ولو على مستوى الرسائل الأمنية.
رقم ال20 ألفاً
من بين المعطيات المتداولة، حديث عن قرابة 20 ألف عنصر من “داعش” يستعدون للانتشار وإدارة مناطق واسعة في الشرق السوري، وصولاً إلى عفرين ورأس العين وتل أبيض وتل حميس وتل براك والشدادي.
غير أن مصادر أمنية مطلعة، قللت في حديثها لـ”المدن”، من واقعية هذا الرقم، معتبرة أنه “يفتقر إلى مؤشرات ميدانية تدعمه”. وأوضحت أن تقديرات سابقة للأمم المتحدة أشارت إلى وجود بضعة آلاف من المقاتلين النشطين والخلايا النائمة، لا إلى تشكيلات عسكرية منظمة بهذا الحجم.
لكن المصادر نفسها حذرت من أن “المشكلة ليست في الرقم، بل في قدرة الخلايا الصغيرة على إحداث أثر أمني وسياسي أكبر من حجمها الفعلي”، خصوصاً في بيئة تشهد إعادة انتشار عسكري وترتيبات اندماج معقدة.
البادية السورية… المساحة المفتوحة
تظل البادية الممتدة بين تدمر ودير الزور، مساحة تقليدية لتحركات التنظيم. الطبيعة الصحراوية الوعرة تمنح الخلايا قدرة على الاختفاء وإعادة التموضع. وقال مصادر لـ”المدن”، إن الصحراء لا تزال تحتوي على مخابئ أسلحة وذخائر، بعضها يعود إلى سنوات سابقة. كما تحدثت روايات متكررة عن أموال مخبأة منذ انهيار “الخلافة” في الباغوز.
غير أن الحديث عن “ملايين الدولارات الجاهزة للاستخدام” يحتاج إلى تدقيق، إذ إن تحويل تلك الموارد إلى قوة فعلية يتطلب شبكات تمويل وتحويل لوجستي معقدة. في المقابل، تبقى البادية بيئة مثالية لشن هجمات استنزاف ضد الطرق العسكرية وخطوط الإمداد، ما يجعلها عامل ضغط دائم.
النفط والغاز… بين التخريب والسيطرة
وتثير التحركات في الشرق مخاوف متزايدة حول أمن حقول النفط والغاز، خصوصاً في ريف دير الزور والحسكة. وأي محاولة للسيطرة على الحقول تحتاج إلى بنية عسكرية وإدارية مستقرة، وهو ما لا يتوفر حالياً للخلايا المتنقلة. حيث أن “الخطر الأكبر يكمن في التخريب، لا الإدارة”.
فالهجوم على منشآت الطاقة قد يكون رسالة سياسية أو محاولة لخلط الأوراق، لكنه لا يعني قدرة على إدارة طويلة الأمد.
في غضون ذلك، يبقى مخيم “روج” في ريف المالكية الأكثر حساسية. المخيمان يضمان آلاف النساء والأطفال المرتبطين بعائلات مقاتلي “داعش”.
وقال مصدر أمني لـ”المدن”، إن أي تفكيك غير منظم للمخيمات أو إخراج عائلات دون برامج إعادة تأهيل ومراقبة، قد يخلق بيئة لإعادة التجنيد. وأكد أن المخيمات “تحتاج إلى معالجة تدريجية بعيدة عن الارتجال”.
وفي حال تزامن نشاط الخلايا مع اضطراب أمني في محيط المخيمات، فإن احتمالات الهروب أو إعادة التشبيك سترتفع، ما قد يعيد إنتاج دورة العنف.
من سلم ومن انسحب
في أوساط محلية، يتردد تساؤل عن الأطراف التي سلّمت مناطق لسلطة دمشق أو انسحبت منها، وما إذا كانت تدرك حجم السيناريوهات المحتملة.
وقالت مصادر سياسية لـ”المدن”، إن “إعادة رسم النفوذ شرق الفرات لم تكتمل بعد، وأي فراغ ولو مؤقت يمكن أن تستثمره الخلايا”. وأضافت أن بعض القوى قد تستخدم التهديد الأمني كورقة تفاوض في ملفات الاندماج والترتيبات الإدارية.
في حال تطور المشهد إلى سيطرة علنية واسعة – وهو سيناريو لا توجد مؤشرات حاسمة عليه حتى الآن – فإن ذلك سيعيد الملف السوري إلى واجهة النقاش في الكونغرس الأميركي.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ”المدن”، إن “أي عودة علنية لداعش ستفتح باب المساءلة السياسية حول سياسات الانسحاب أو إعادة التموضع العسكري”، خصوصاً في ظل انقسام داخلي أميركي حول إدارة الملف السوري.
لكن المصادر استبعدت في الوقت نفسه سيناريو انهيار شامل للتوازنات، معتبرة أن “الهجوم في الرقة خطير، لكنه لا يعني تكرار 2014”.


























