يبرز النقاش في قرار محافظة دمشق المتعلّق بتقييد بيع وتقديم المشروبات الكحوليّة، ليس فقط من زاوية تنظيم المهنة، بل من زاوية أوسع تتعلّق بحدود السلطة الإداريّة ومفهوم الحرّيات العامّة. إذ إنّ الاستناد إلى “الخصوصيّات المحليّة” لتبرير تقييد أنشطة قانونيّة قائمة يُعدّ إشكاليّاً لأنّه يفتح الباب أمام تدخّلات إداريّة قد تمسّ الحقوق الفرديّة تحت ذرائع اجتماعيّة أو أخلاقيّة فضفاضة. لا يمكن اعتبار إبطال أو سحب تراخيص قائمة، أو فرض شروط تجعل ممارسة النشاط شبه مستحيلة، تنظيماً، بل يقترب من كونه تقييداً مباشراً للحرّيات العامّة.
حكم حزب العدالة والتّنمية
استغرق حزب العدالة والتنمية التركيّ قرابة أحد عشر عاماً بعد وصوله إلى الحكم حتّى أصدر قانون تنظيم بيع وتسويق المشروبات الكحوليّة عام 2013. لقد شدّد القانون، الذي أقرّه البرلمان، على حظر الإعلانات عن الكحول، ومنع بيعها بين الساعة العاشرة مساءً والسادسة صباحاً، ومنع بيعها قرب المدارس ودور العبادة، إلى جانب تشديد شروط الترخيص. انتهجت الحكومة أيضاً سياسة واضحة لمحاربة التدخين والكحول، من خلال فرض ضرائب متكرّرة على المنتجين، وتقييد أماكن التدخين، ومنعه في الفنادق والمطاعم والمقاهي المغلقة.
لا يزال “الراكي” في تركيا يُنظر إليه لدى فئات واسعة بوصفه مشروباً ذا طابع قوميّ، يرتبط في ذاكرة شرائح من المجتمع بصورة مصطفى كمال أتاتورك. الجدير بالذكر أنّ رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، الذي يُعدّ الأب الروحيّ لتيّار الإسلام السياسيّ في تركيا، لم يعمل على إصدار قانون يقيّد أو ينظّم بيع المشروبات الكحوليّة، على الرغم من مواقفه المعلنة منها.
دمشق اليوم بحاجة إلى سياسات أكثر توازناً وعقلانيّة تحمي النظام العامّ دون التغوّل على الحرّيات الفرديّة أو ما بقي من النشاط الاقتصاديّ في بلدٍ مُنهك
مصر وتونس في زمن “حكم الإخوان”
في مصر، تقدّم تجربة حكم الرئيس الراحل محمّد مرسي مثالاً واضحاً على حدود قدرة التيّارات الإسلاميّة على فرض تغييرات جذريّة في هذا الملفّ. على الرغم من الضغوط التي مورست من قواعده الانتخابيّة ومن قوى دينيّة مثل حزب النور السلفيّ، لم يتّجه مرسي إلى حظر الكحول أو إغلاق المنشآت السياحيّة التي تقدّمه. على العكس من ذلك، أدرك أنّ قطاع السياحة يشكّل أحد أعمدة الدخل القوميّ، علاوة على التخوّف من ردود فعل داخليّة وخارجيّة قد تهدّد الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ. لذلك اكتفت الحكومة بسياسات أقلّ صداميّة، تمثّلت في رفع الضرائب وتشديد الرقابة والحدّ من التوسّع في منح التراخيص الجديدة، خصوصاً في التجمّعات السكنيّة الحديثة. مع ذلك، حافظت الدولة على الإطار القانونيّ القائم دون المساس بجوهر النشاط، في محاولة لتحقيق توازن بين الاعتبارات الدينيّة والاقتصاديّة.
أمّا في تونس فقد كانت التجربة أكثر وضوحاً في هذا السياق. حركة النهضة، على الرغم من مرجعيّتها الإسلاميّة، وجدت نفسها في بيئة سياسيّة واجتماعيّة ذات طابع علمانيّ قويّ، حيث يشكّل نمط الحياة المرتبط بالسياحة والانفتاح جزءاً من الهويّة الاقتصاديّة والثقافيّة للبلاد. لذلك لم تسعَ الحركة إلى فرض حظر على الكحول، بل تعاملت مع الملفّ بحذر شديد، إدراكاً منها أنّ أيّ محاولة للمنع ستؤدّي إلى صدام مباشر مع النخب السياسيّة والمدنيّة، وربّما إلى اضطرابات اجتماعيّة واسعة. إلى ذلك لا يحتمل الاقتصاد التونسيّ، المعتمد بشكل كبير على السياحة، قرارات من هذا النوع قد تؤدّي إلى تراجع الإيرادات وتسريح أعداد كبيرة من العاملين. لهذا بقيت سياسات النهضة ضمن حدود التنظيم والرقابة، دون المساس بالإطار العامّ الذي يضمن استمرار هذا النشاط.
أمّا في المملكة السعوديّة فقد بدأت تظهر مؤشّرات إلى توجّه حذر نحو تنظيم محدود ومقنّن ضمن نطاقات ضيّقة للأجانب والدبلوماسيين، بما يراعي التوازن بين التحوّلات الاقتصاديّة والخصوصيّة الاجتماعيّة.
نموذج سنغافورة
في بلدان آسيويّة، مثل سنغافورة، التي يتردّد ذكرها في الأوساط السوريّة بوصفها مثالاً يُحتذى وهدفاً تسعى الإدارة السوريّة الجديدة للتشبّه به والوصول إلى نموذجه، لا يزال شرب الكحول مسموحاً في الحدائق العامّة والشواطئ، ويُمنع ليلاً ابتداءً من الساعة العاشرة والنصف مساءً حتّى السابعة صباحاً فقط. يُسمح أيضاً، في بعض الحالات، بالحصول على ترخيص يمتدّ حتّى ساعات الفجر. وتُعدّ السياحة واحدة من ركائز الاقتصاد السنغافوريّ المتنوّع.
في المملكة السعوديّة بدأت تظهر مؤشّرات إلى توجّه حذر نحو تنظيم محدود ومقنّن ضمن نطاقات ضيّقة، بما يراعي التوازن بين التحوّلات الاقتصاديّة والخصوصيّة الاجتماعيّة
دمشق: الإشكاليّة القانونيّة أوّلاً
تكتسب المقارنة مع هذه النماذج معناها الحقيقيّ عند الانتقال إلى حالة دمشق، حيث لا يقتصر الجدل على مضمون القيود المفروضة، بل يمتدّ إلى الجهة التي أصدرت القرار، وطريقة صياغته، وطبيعة نتائجه. يثير قرار محافظة دمشق، الذي يقضي بمنع تقديم الكحول في المطاعم والملاهي وحصر بيعه في نطاقات جغرافيّة محدّدة، إشكاليّات عميقة لا يمكن اختزالها في إطار “تنظيم المهنة”.
في مقدَّم هذه الإشكاليّات تبرز المسألة القانونيّة بوصفها الأكثر جوهريّة. القرار، بصيغته الحاليّة، يبدو متجاوزاً لحدود صلاحيّات المحافظ، إذ لا يملك إلغاء أو تعطيل مراسيم وتشريعات نافذة، أو الانتقاء منها بشكل استنسابيّ. تشكّل المراسيم القائمة جزءاً من منظومة قانونيّة ملزمة، ومهمّة المحافظ تقتصر على تنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعيّة، لا إعادة تفسيرها أو الالتفاف عليها بقرارات إداريّة قد تفتقر إلى السند الدستوريّ. من هنا، أيّ مساس بالتراخيص القائمة أو تضييق يؤدّي عمليّاً إلى إبطالها ويطرح إشكالاً قانونيّاً يتجاوز “التنظيم”.
أمّا الإشكاليّة الثانية فتتمثّل في الأثر الاقتصاديّ المباشر. يؤدّي القرار، وإن قُدِّم بوصفه إجراءً تنظيميّاً، عمليّاً إلى تغيير نموذج عمل قطاع كامل من المنشآت السياحيّة والخدميّة. إنّ فرض هذا التحوّل خلال مهلة زمنيّة قصيرة يضع العديد من المستثمرين أمام خيار الإغلاق أو الخسارة، ويهدّد بفقدان عدد كبير من فرص العمل، في ظلّ اقتصاد يعاني أصلاً من الهشاشة والتراجع.
على المستوى الاجتماعيّ، قد يُفهم حصر هذا النشاط في مناطق بعينها بوصفه نوعاً من الفرز الجغرافيّ، وربّما الدينيّ، وهو ما يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية، ويقوّض فكرة أنّ القانون يجب أن يُطبّق على الجميع دون تمييز أو استثناءات مرتبطة بهويّة المكان.
في المحصّلة، لا تكمن الإشكاليّة في مبدأ تنظيم بيع الكحول بحدّ ذاته، بل في الكيفيّة التي يُمارس بها هذا التنظيم وحدوده. حين يتحوّل التنظيم إلى شكل من أشكال المنع غير المعلن، وتُستخدم الأدوات الإداريّة لإعادة تشكيل المجال العامّ دون مراعاة التوازن بين القانون والاقتصاد والحرّيات، لا تكون النتيجة ضبطاً للفوضى، بل خلق بؤر توتّر جديدة في مجتمع مثقل أصلاً بأزماته.
إنّ دمشق اليوم بحاجة إلى سياسات أكثر توازناً وعقلانيّة تحمي النظام العامّ دون التغوّل على الحرّيات الفرديّة أو ما بقي من النشاط الاقتصاديّ في بلدٍ مُنهك.
- أساس ميديا



























