حدث في الساحل السوري، في مارس/ آذار العام الماضي، أن فلولاً معتدين قتلوا 238 (أو نحو 400) عنصراً من الأمن والجيش، بعضُهم جرى الإجهاز عليهم وهم موثوقون وجرحى، ثم ارتكب مسلّحون، بعضُهم مرتبطون بفصائل محسوبة على الحكومة، فظائع، قضى فيها 1426 سورياً مدنياً من الطائفة العلوية (وعسكريين سابقين). ثم تشكّلت لجنة وطنية للتحقيق وتقصّي الحقائق، وثّقت في تقريرها وقائع تفصيلية، بعد جهدٍ مهنيٍّ رفيع، ثم سيق متورّطون من الجانبين إلى محاكماتٍ ما زالت جارية. وأوفدت الأمم المتحدة بعثة تحقيقٍ إلى المنطقة، أفاد تقريرها بأن الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، وأن عناصر من نظام الأسد وأخرى تتبع السلطة الحالية تورّطوا في الجرائم. ونشرت وسائل إعلام سورية، رسمية وغير رسمية، أبرز ما أوردته تلك اللجنة الأممية. وفي يوليو/ تموز الماضي، قُتل في محافظة السويداء أكثر من 1760 سوري (وأصيب أزيد من ألفين) في اشتباك طرفيْن وهجمات متبادلة، جرى في غضونها ارتكاب عناصر من الأمن انتهاكاتٍ فظيعةً في مواطنين دروزٍ هناك. ثم تشكّلت لجنة تحقيق وطنية في العنف الذي جرى، أعلنت قبل نحو أسبوعين نتائج جهدها في تقريرٍ، أفاد بتوقيف عناصر من الأمن والجيش، ووفّر مسحاً لأعداد النازحين والمتضرّرين والقرى التي جرى تدمير وحرق منازل وممتلكاتٍ فيها. كما أمكن لبعثةٍ من لجنة تحقيق للأمم المتحدة أن تقوم بعملٍ مثل هذا، أشهرت يوم الجمعة الماضي تقريرها (80 صفحة)، جاء فيه أن انتهكاتٍ فظيعةً وقعت قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شاركت قوات حكومية في ارتكابها مع مقاتلين من البدو والعشائر. ولافتٌ أن الخارجية السورية ولجنة التحقيق الوطنية رحبّتا بالتقرير.
ليس مناسبة هذا الإيجاز (المخلّ) هنا أن التقريريْن بشأن وقائع السويداء صدرا أخيراً، وإنما أيضاً التذكير بأن فظاعاتٍ في غير بلد عربي، تورّطت فيها قوات حكومية، لم يُؤذن لبعثات تحقيقٍ أمميةٍ أن تتقصّى الحقائق بشأنها، وتؤشّر إلى المسؤوليات عن وقائعها، وشُكّلت لجانٌ محليةٌ بذلت، أحياناً، جهداً طيباً، من دون أن تُتابًع توصياتُها ونتائج عملها في إجراءاتٍ ومحاكماتٍ منظورة. وتلك أحداث فضّ الاعتصامين في ميداني رابعة العدوية والنهضة في القاهرة في أغسطس/ آب 2013، طولبت بشأنها الأجهزة المصرية بنشر كامل تقرير “اللجنة القومية المستقلّة لتقصّي الحقائق” فيها، ولم تفعل، وقد أفيد فيه بأن استخدام السلطات العنف كان مُفرطاً. ولم يُؤذن لبعثةٍ أمميةٍ أو أجنبيةٍ القدوم وتقصّي ما جرى. ولم يُسمع أن مرتكبي انتهاكات حدثت في الأثناء حوكموا أو سوئلوا. وقد أعلنت وزارة الصحة أعداداً للضحايا تباينت مع ما أعلنته منظمة هيومان رايتس ووتش التي وصفت بعض ما وقع بأنه، على الأرجح، جرائم ضد الإنسانية. … وفي الخرطوم، شكّل المجلس العسكري لجنةً للتحقيق في أحداث فضّ الاعتصام أمام مبنى قيادة القوات المسلحة، في يونيو/ حزيران 2019، تفادى تقريرُها وصفاً توافق عليه عديدون بأنه مذبحة، وجاءت لجنة أخرى على اغتصاباتٍ ورمي في النهر وقتلٍ مريعٍ، وتالياً، شكّل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لجنة أخرى مهنية مستقلّة، لكن”جهة عسكرية” اقتحمت مقرّها لاحقاً، فعلّقت عملها إلى يوم يُبعثون. ثم لم تأتِ أنباءٌ على محاكمات معتدين أو مساءلة مسؤولين في هذا كله. وفي الموقعتيْن، المصرية والسودانية، لم يُتح لبعثاتٍ من الأمم المتحدة أن تحقّق وتصدر تقارير تنشرها وسائل إعلام حكومية. وفي الذاكرة أن السلطات الجزائرية ظلّت تتشدّد في رفض استقبال أي لجنة تحقيقٍ من الأمم المتحدة بشأن فظاعاتٍ في غضون العشرية السوداء، ثم وافقت في 1998 على زيارة وفد “حكماء” أممي بلا صلاحيات تقصٍّ وتحقيق، ومُنع من مقابلة شخصياتٍ طلب لقاءَها، ثم أصدر تقريراً، رحّبت به الحكومة.
لا تخرُج الجزائر ومصر والسودان (وغيرُها في أمثلة أخرى) عن طبائع معلومة في النظام العربي الذي يلبس رداء السيادة في ملفّاتٍ كهذه، على غير ما يأخُذ به الحكم الانتقالي في سورية، الذي لم ير مدعاةً لهذا الكذب، بل زاول فائضاً من الشفافية، وهو يبيح نشر تقارير اللجان الأربع (مع تكتّم جزئي)، وفي أن يتداول المجتمع بشأنها، وأن يُشهِر من أراد عدم الثقة بالسلطة وتقاريرها ومحاكماتها. وإذا قال من أراد من يقول إن ثمّة “تطبيلاً” للسلطة في دمشق يوحي به هذا الكلام، عن استثناءٍ سوريٍّ غير مسبوقٍ عربياً، فالتعقيب أننا في الصحافة نطالب أنفسنا بقول ما نعتنقُه، لا ما يريح ناساً لم يقرؤوا ما لزم أن يقرؤوا عن كل ما جيء عليه أعلاه.
- العربي الجديد


























