صدر عن محافظ دمشق قرار يتعلق بتنظيم بيع واستهلاك المشروبات الروحية في العاصمة السورية، لكن مفعوله جاء عكسيا. وسرعان ما خلق حالة من التوتر المجتمعي، واستقطابا حادا على وسائل التواصل، بين شرائح اجتماعية وفئات من خلفيات سياسية وثقافية مختلفة. نُظمت مظاهرة احتجاجية في حي باب توما ضد القرار، طالبت باحترام الحريات الفردية على اختلاف أشكالها، وعبرت عن رفض المشاركين تقسيم الأحياء بين المسموح والممنوع فيها بيع وتعاطي الكحول، وذلك على أساس طائفي، لم يسبق له مثيل في سابق عهود المدينة.
بعض ردود الفعل على القرار صدرت من حرص على الحريات الفردية كميدان واسع، وعدم زج البلد بمواجهات لا طائل منها، في توقيت هو بحاجة إلى التقاط أنفاسه، بعد قرابة 15 عاماً من حرب طاحنة، شنها النظام السابق ضد جميع السوريين، والبعض الآخر وجدها فرصة سانحة لانتقاد السلطة الجديدة التي لم تتخذ خطوات جادة لجهة الانفتاح السياسي، بما يساهم في معالجة التراث الهائل للأسدية التي دمرت سوريا.
من التعسف اختصار الحريات على المشروبات الروحية. فهي ليست كأس خمر على قارعة الرصيف، ولا تقف عند هذا الحد، وذات مضامين ومعان أوسع، ولا تقتصر على نخبة من السوريين، يصورهم البعض أنهم نخبة ضيقة تريد أن تعيش حياة مختلفة داخل مجتمع يحمل نظرة وموقفا مغايرا. الحقوق لا تتجزأ، ولا يمكن اختزالها إلى مجموعة من المظاهر. ليست هدية من سلطة حاكمة تمنحها لرعاياها وتمننهم بها، ولذلك اسمها حقوق وليس مكرمة. وعلى هذا هي في صلب حقوق الإنسان، فإما أن تكون كاملة أو لا تكون، لا تحتمل النقصان أو التجزئة على درجات. ومهما يكن من أمر، وبغض النظر عن قانون محافظ دمشق، لن يأتي أحد بجديد في هذا المجال مهما اجتهد، فالمسألة واضحة، ولا تحتاج إلى جدل واسع، في بلد لا يمتلك ترف إضاعة الوقت والجهد، وافتعال خلافات عقيمة لا طائل منها.
قد يتحجج البعض بمراعاة الظرف العام، وعلى هذا الأساس يسمح لنفسه بممارسة الرقابة على سلوك البشر إلى حد وضعهم في خانات، ووصمهم بما يميزهم سلبا في التفكير الجماعي العام، بين أخيار يقصدون المساجد، ولا يقربون الخمر، وأشرار يرتادون الملاهي الليلية والبارات والمطاعم التي تقدم الخمور. وقد لا يكون ذلك في خلفية من أصدر القرار من دون دراسة معمقة. وفي الحال هذا، هناك تجاوز، وتصرف في غير محله، لأنه ليس من مهمة محافظ العاصمة، زج نفسه في موقف من هذا القبيل، خاصة وأنها لم تشهد في تاريخها الحديث تدخلا من جانب السلطات، في تنظيم هذا المجال على أسس تقسم الناس، وفق منطق الحلال والحرام، ومن منطلق الأخلاق، وليس القانون، الذي يسري على جميع الناس في الدول العصرية.
وسط النقاش المحتدم حول هذه المسألة، لا بدّ من الاعتراف بأن الحريات شهدت انتعاشاً ملحوظاً بعد سقوط نظام بشار الأسد. ارتاح الناس في الحديث والكتابة، بعد أن رفعت السلطة حواجز الرقابة، وانتهى بطش الأجهزة الأمنية، وبات النقد على صفحات الصحف وعلى شاشات القنوات التلفزية الرسمية، وكان تنظيم معرض الكتاب في شباط الماضي من دون منع أو رقابة على الكتاب مسألة تستحق التقدير، خاصة وأن هناك عددا من الكتب التي تم عرضها، وهي تنتقد “هيئة تحرير الشام” التي تقود الدولة السورية.
هذا السقف العالي من الحرية يجب أن يدوم ويتحوّل إلى قوانين تحكم الدولة والمجتمع، لا على أساس أن الحكم الجديد قرر أن يهدي السوريين الحرية، بل لأن الحرية كانت البند الرئيسي على جدول أعمال الثورة السورية التي أسقطت نظام الجريمة الأسدي “ثورة الحرية والكرامة”. فالسوري الذي ثار من أجل حريته وكرامته وقدم ثمنا كبيرا، لن يقبل بأقل من ذلك، ثم أن سوريا الجديدة، لا يمكن أن تكون دولة ديكتاتورية مغلقة على ذاتها، لأنها ستحكم على نفسها بالفشل.
ليس المأمول بأن تتحوّل سوريا إمارة دينية تسير وفق مزاج هذا المسؤول أو ذاك، بل دولة حديثة تقوم على القانون والعدالة، تحترم تراثها، وتثمن اختلافاتها وتعددها، التي كانت على الدوام مصادر قوة، وليست عوامل نزاع. هناك مكان لجميع السوريين في بناء المستقبل، مثلما كان لهم ذلك في التضحيات التي قادت لانتصار الثورة. وفي نهاية المطاف يجب أن تتقبل السلطة أن هناك قطاعا من الشارع السوري في موقع المعارضة، وقد أشهر نفسه من خلال التظاهر السلمي والبيانات والمطالب الاحتجاجية، وبوصفها تتحمل مسؤوليات الحكم يتوجب عليها أن تحمي هذا التوجه، وتشجعه لأنه صمام أمان، كونه يفكر تحت الشمس، وليس في الظل.
من المفارقات اللافتة، أن هناك من رأى في التظاهر والاحتجاج على القرار فعلا مستهجناً، رغم أنه التزم بحرية التعبير السلمي، ولم ترفع خلاله شعارات خارج سياق الحقوق والحريات، ولا رايات غير العلم السوري. وقد كان الحري بأصحاب هذا الرأي أن ينتقدوا رجل الدولة الذي اتخذ القرار الذي أثار هذا التحركات، وأدى لتوليد أجواء اجتماعية وسياسية مشحونة في وقت لا يزال البلد يعاني من آثار أحداث الساحل والسويداء، التي خلقت شروخا سياسية واجتماعية ذات مفعول سلبي وضار على مستوى استعادة السلم الأهلي الهش بفعل ممارسات الأسدية التي خربت البنية العامة لسوريا التعددية والتعايش.
قد يكون تنظيم واستهلاك الكحول مهما، ولكن هناك ما هو أكثر أهمية في هذا الوقت، يمكن لمحافظة دمشق التفرغ له من أجل الحفاظ على الصحة العامة، وحماية حقوق سكان وزوار العاصمة، ومن ذلك تنظيم تدخين السجائر والنرجيلة في المقاهي والمطاعم، وإتاحة مساحة لغير المدخنين، تنظيم حملة وطنية من أجل نظافة شوارع وساحات المدينة التي يشبه بعضها مكب نفايات، تنظيم حركة السير والمرور، وكبح فوضى الدراجات النارية، تحرير الأرصفة من البسطات والسيارات التي استولت عليها، حتى صار المشاة يسيرون وسط الشوارع، جمع المتسولين القادمين من وراء الحدود.
- المدن


























