أعادت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى الواجهة مشاريع قديمة مع التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل نفط تمثل 20 في المئة من الاستهلاك العالمي.
وفي هذا السياق، تبرز العديد من البدائل عن مضيق هرمز ولو جزئياً، لتظهر سوريا كمرشح محتمل للعب دور “عقدة عبور” بين الخليج وأوروبا.
واكتسب هذا الطرح زخماً مع تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، التي وضعت دمشق في قلب إعادة رسم خريطة الطاقة الإقليمية، عبر خطط لنقل نفط الخليج بخطوط أنابيب تمر بالأردن وسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط. إضافة إلى إحياء مشاريع قديمة مثل خط كركوك–بانياس، أو حتى “التابلاين” الذي كان يبدأ من شمالي السعودية وينتهي بمدينة صيدا في جنوبي لبنان، مع اقتراح تعديل مساره ليتحول إلى بانياس على الساحل السوري، حتى لا يكون تحت رحمة حزب الله المرتبط بإيران، إضافة إلى طموحات لمدّ الغاز القطري نحو أوروبا عبر الأراضي السورية.
إن البنية التحتية السورية، من أنابيب ومرافئ ومحطات تخزين، تعرضت لدمار واسع، وتحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيلها.
والواقع أن لدى سوريا بالفعل مقومات جغرافية فريدة، فهي تقع بين الخليج وتركيا وأوروبا، وتشرف على البحر المتوسط، ما يمنحها موقعاً مثالياً كممر بري بديل للممرات البحرية المهددة. وهذا الموقع، إذا ترافق مع استقرار سياسي، قد يحولها إلى ممر رئيسي لتدفق الطاقة نحو أوروبا، ويعيد دمجها في الاقتصاد الإقليمي.
كما أن إعادة إحياء قطاع النفط السوري، مع خطط لرفع الإنتاج تدريجياً (إلى 800 ألف برميل يومياً خلال 3 سنوات وفق تصريحات مدير الشركة السورية للنفط)، يعزز جاذبية البلاد للاستثمارات، خاصة إذا ترافق ذلك مع مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود.
غير أن هذه الإمكانات النظرية تصطدم سريعاً بواقع أكثر تعقيداً. وأحد أبرز التحديات هو الفارق الهائل في القدرة الاستيعابية، فمضيق هرمز يمر عبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، في حين أن خطوط الأنابيب المقترحة، حتى في أفضل حالاتها، لن تنقل سوى جزء محدود من هذه الكميات، حتى مع إعادة تأهيل خط التابلاين، في حين خط كركوك–بانياس فقد كان ينقل نحو 300 ألف برميل يومياً قبل توقفه في الثمانينيات، برغم عودته للواجهة في السنوات الأخيرة، علماً أن لدى الجانب العراقي بدائل أخرى، أبرزها خط جيهان التركي.
ومن بين العقبات أمام هذه المشاريع الوضع الداخلي في سوريا، فنجاح أي مشروع طاقة عابر يتطلب بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً، وهو شرط لم يتحقق بعد بشكل كامل. كما أن البنية التحتية السورية، من أنابيب ومرافئ ومحطات تخزين، تعرضت لدمار واسع، وتحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيلها.
صحيح أن إعادة تشغيل خطوط قائمة مثل كركوك–بانياس أقل كلفة من إنشاء خطوط جديدة، لكنها لا تزال تحتاج إلى تمويل كبير وضمانات طويلة الأجل لتدفق النفط، وهي عوامل يصعب تأمينها في بيئة غير مستقرة.
وتزداد الصورة تعقيداً في المشهد الإقليمي، ذلك أن مشاريع الطاقة العابرة للحدود تقوم على تعاون سياسي بين دول متعددة، لكن المنطقة تعج بتضارب المصالح، حيث ترى إيران في هذه المشاريع تهديداً لدورها الاستراتيجي، في حين تسعى تركيا لترسيخ نفسها كممر رئيسي للطاقة إلى أوروبا، أما العراق فلديه حساباته الخاصة في تصدير نفطه. وهناك أيضاً دول قد ترى في المشروع منافساً لممراتها التقليدية، مثل مصر التي تعتمد على قناة السويس، وتركيا التي تمتلك خطوط أنابيب نحو أوروبا. كما أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تعمل على مشاريع بديلة لنقل الطاقة، وتسعى لتثبيت موقعها كمركز إقليمي للغاز في شرق المتوسط. وأي توتر بين هذه الأطراف يمكن أن يعطل المشاريع أو يرفع مخاطرها، ما يجعلها أقل جاذبية للمستثمرين.
يشير الواقع إلى أن الدور الأكثر واقعية لسوريا في المرحلة المقبلة قد يكون تدريجياً ومحدوداً، يبدأ بإعادة تأهيل خطوط قائمة وتطوير موانئها الوطنية، قبل التفكير في مشاريع كبرى عابرة للإقليم.
وحتى من الناحية الاقتصادية البحتة، تبقى خطوط الأنابيب أقل مرونة من النقل البحري، الذي يتميز بكلفة أقل وقدرة على التكيف مع تغير الأسواق. لذلك، فإن الاستثمار في خطوط طويلة الأمد يتطلب استقراراً سياسياً وضمانات تشغيل مستمرة، وهي شروط غير مضمونة حالياً.
وفي المحصلة، يمكن القول إن فكرة تحويل سوريا إلى مركز عبور للطاقة ليست مستحيلة، لكنها أقرب إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد منها إلى خطة قابلة للتنفيذ على المدى القصير. ويشير الواقع إلى أن الدور الأكثر واقعية لسوريا في المرحلة المقبلة قد يكون تدريجياً ومحدوداً، يبدأ بإعادة تأهيل خطوط قائمة وتطوير موانئها الوطنية، قبل التفكير في مشاريع كبرى عابرة للإقليم. أما تحويلها إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز، فيبقى رهناً بتحولات عميقة تتمثل في الوصول إلى استقرار سياسي مستدام، وتوافقات إقليمية نادرة، واستثمارات ضخمة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل هذه المشاريع في إطار الطموحات الجيوسياسية، أكثر منها الحقائق الاقتصادية.
- تلفزيون سوريا






















