فثمة خصوصية معهودة دوماً في علاقة بريطانيا مع العالم وتعاطيها مع مصالحها التي يغلب عليها البُعد العميق في تلقّف الفرص الكامنة، هكذا تقول تجارب التاريخ.
شريك الانتصار
وعلى الأرجح لا تبدو قراءة المشهد المقبل لعلاقة دمشق ولندن صعبة إن تم التقاط ونسج ملامح المشهد الجديد في إطار الموقف البريطاني من “المسألة السورية”، منذ اندلاع الثورة.. و تالياً منذ ثم التحول الواضح الذي تكرّس مباشرة مع سقوط نظام بشار الأسد وتحرير البلاد.
فبريطانيا منذ بدايات الثورة السورية أبدت موقفاً سياسياً حازماً ضد نظام بشار الأسد، ودعمت علناً مطلب الشعب السوري في التغيير، ومع تصاعد العنف وتحول الثورة إلى مواجهات مسلحة، أصبح الموقف البريطاني أكثر رسوخاً في الدعوة إلى تنحي الأسد كشرط لأي حل.
ومع بداية عام 2012 دعمت بريطانيا قرارات لمجلس الأمن أدانت الانتهاكات، وبدأت بالتواصل مع قوى المعارضة السورية الناشئة. ثم أعلنت لندن الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بوصفه “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري”.
وشاركت بريطانيا في مجموعة “أصدقاء سوريا” التي ضمت عشرات الدول الداعمة للمعارضة، وساندت بيان جنيف 1 (2012) الذي رسم معالم انتقال سياسي عبر حكومة انتقالية.
كما استمرت لندن بتقديم دعم مادي ولوجستي للمعارضة السورية (كالمساعدات الإنسانية، وبرامج تدريب الشرطة المحلية في مناطق المعارضة، ودعم الدفاع المدني “الخوذ البيضاء”، وغيرها).. أي لعبت المملكة المتحدة دوراً فاعلاً في الجانب الإنساني، وقدمت مساعدات إنسانية واسعة الطيف، وركزت على دعم النازحين داخلياً واللاجئين في دول الجوار، إضافة إلى تمويل مشاريع التعليم والصحة والإغاثة الطارئة.
ووفقاً لدراسة أعدها المركز الديمقراطي العربي، تجاوز إجمالي الدعم البريطاني الإنساني لسوريا والدول المضيفة للاجئين أكثر من 3.8 مليارات جنيه إسترليني حتى عام 2023، مما يجعل بريطانيا من أكبر المانحين الدوليين في هذا الملف. وشمل الدعم تمويل برامج الغذاء والتعليم والرعاية الصحية للاجئين والنازحين. ودعم المجالس المحلية السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام قبل عام 2019، ودعم منظمات الدفاع المدني، وتقديم مساعدات عاجلة بعد الزلازل التي ضربت شمال سوريا في شباط 2023. أيضاً شاركت المنظمات البريطانية في دعم وتمويل لسوريا ومخيمات اللاجئين السوريين في تركيا والأردن ولبنان.
التحوّل الأسرع
كان لافتاً في 9 كانون الأول 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد بيوم واحد، الموقف البريطاني من بين المواقف الأسرع ربما، إذ وصف وزير الخارجية ديفيد لامي، في بيان أمام مجلس العموم، بشار الأسد بأنه “وحش ومجرم”، وبدأت الحكومة البريطانية في التواصل مع القيادة السورية الجديدة في دمشق عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية.
وفي 16 كانون الأول 2024، “بعد 8 أيام من التحرير” زار مسؤولون كبار من وزارة الخارجية البريطانية دمشق، حيث التقوا بمسؤولين في الإدارة السورية الجديدة، وممثلي المجتمع المدني.
كما شاركت بريطانيا في اجتماعات دولية لمناقشة الوضع في سوريا، بما في ذلك اجتماع في روما في كانون الثاني 2025.
وأعلنت بريطانيا عن حزمة مساعدات بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني لدعم السوريين المتضررين من النزاع، بما في ذلك توفير الغذاء والرعاية الصحية والمأوى. وتم توجيه هذه المساعدات عبر الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية داخل سوريا وفي دول الجوار مثل لبنان والأردن.
وسارعت بريطانيا إلى رفع العقوبات التي كانت فرضتها على سوريا خلال ” حقبة الأسد”، ففي آذار 2025، رفعت بريطانيا العقوبات عن 24 كياناً سورياً، بما في ذلك البنك المركزي، وشركات النفط. وفي نيسان 2025، تم رفع العقوبات عن وزارتي الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى وكالات الاستخبارات ووسائل الإعلام الحكومية وكيانات إعلامية أخرى، بهدف دعم جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري، وتأمين الاستقرار في سوريا.
استئناف اقتصادي مُعلن
بما أنه لا يمكن تفهّم أي علاقة سياسية بين بلدين دون “إثمار اقتصادي”.. انطلق مجلس الأعمال السوري البريطاني في دمشق في 1/12/ 2025 بهدف واضح.. أعلنت دمشق أنه يركز على بناء شراكات عمل متبادلة المنفعة بين الشركات والجامعات والمنظمات العاملة في جميع أنحاء سوريا والمملكة المتحدة.
ورأى وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن المجلس انطلاقة مهمة تعكس عودة سوريا إلى المجتمع الدولي واستعادة مكانتها الاقتصادية.
فيما اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن المجلس المشترك منصة لتعزيز فرص العمل وتنمية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين .
أما مستشار مجلس الأعمال السوري البريطاني جون ويلكس فأشار إلى أهمية المجلس في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا وبريطانيا بعد سنوات من التراجع.. فأي أفق اقتصادي حقيقي يمكن استشرافه بين دمشق ولندن مع زيارة الرئيس الشرع؟
نقطة فاصلة
يعتبر المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش، أن زيارة الرئيس الشرع إلى لندن فرصة للاستفادة من التحولات “البازغة” في الإقليم والتوجه الغربي الجديد.
ففي إطار التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تأتي الزيارة إلى بريطانيا كنقطة فاصلة تاريخية تعكس تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات الثنائية بعد رفع العقوبات واستئناف الدبلوماسية.
ويتحدث د. عربش إلى “المدن” بنبرة لا تخلو من اليقين بأن الزيارة ستركز على إعادة الإعمار السوري وجذب الاستثمارات البريطانية، مع إعلان متوقع عن خطة تمويل صادرات للشركات البريطانية.
وبما أن اللقاءات ستُعقد في خضم حرب إقليمية دائرة، سيكون وضع الاستقرار المستدام والسلام على رأس الأولويات.
وللتوقيت حساسيته هنا بشكل مقترن ومواكب للأهمية الجيوسياسية، إذ تأتي الزيارة عقب زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا، حيث تم التوقيع على مذكرات تفاهم مع شركات كبرى مثل سيمنس لتطوير شبكات الطاقة، فالمجال مفتوحاً أمام فضاء تنسيق أوروبي- بريطاني متزايد حول الملف السوري.
وبرأي المستشار عربش تتجاوز أهمية هذه الزيارة البعد الثنائي، حيث تعيد اكتشاف سورية من موقعها الجيوستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق آسيا، وهذا الموقع الحيوي يجذب الشركات الأوروبية والبريطانية للاستثمار في إعادة الإعمار والسلاسل اللوجستية الإقليمية، مع إمكانية جذب استثمارات خليجية إضافية.
أفق استثماري
يفتح المسار الاقتصادي آفاقاً واسعة للاستثمار في إعادة الإعمار، مدعوماً بقانون الاستثمار السوري الجديد الذي يسمح بالملكية الأجنبية بنسبة 100%، ويقدم إعفاءات ضريبية تصل إلى 100% في القطاع الطبي و80% في التصنيع. مع توقعات رسمية بنمو اقتصادي سوري يقارب 10% في عام 2026، عبر عودة الصادرات النفطية ودعم مجلس الأعمال السوري-البريطاني.
ومن المتوقع ـ وفق عربش ـ أن تلعب الجالية السورية في بريطانيا دوراً محفزاً نحو تنفيذ مشاريع سريعة العائد، رغم التحديات المرتبطة بالبنوك والأمن. كما ستجد الشركات البريطانية العاملة في الخليج والعراق، في سوريا ممراً حيوياً يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب، أشبه بـ “نفق المانش” الجديد.
الأولويات المتوقعة
يؤكد د. عربش أن الأولويات الرئيسية التي حددتها الحكومة البريطانية تشمل، دعم التعافي الاقتصادي ومكافحة داعش وتقليل الهجرة غير الشرعية، ثم معالجة ملف الأسلحة الكيميائية.
كما تتضمن الزيارة مساراً دبلوماسياً لإعادة فتح السفارات بشكل كامل، وتعزيز الشرعية الدولية للرئيس الشرع كقائد انتقالي، إلى جانب إصلاحات هيكلية مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي المستوحاة من نموذج دبي.
مجالات التعاون المفتوحة
يعتبر المستشار الاقتصادي أن قطاعي الطاقة والإنشاءات يتصدران القطاعات الأكثر انفتاحاً على آفاق التعاون المرتقب بسبب الحاجة السورية العاجلة والخبرة البريطانية. وتشمل تمويل مشاريع سريعة العائد، وعقود في الموانئ والطيران والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى ترحيل النفط من دول الخليج العربي عبر أنابيب بطاقة 4 إلى 6 مليون برميل يومياً، مما يحقق استقلالاً وقودياً ويزيد الصادرات بنسبة تزيد عن 20%.
الزراعة والتصنيع
وربما سيكون للزراعة والتصنيع حصة وافية في سياق التعاون الاقتصادي المشترك، الذي سيكون مجزياً من خلال استثمارات خليجية – بريطانية مشتركة، مع إعفاءات ضريبية تشجع التصدير، مما يؤدي لنمو تصديري واستثمار الأراضي الزراعية الإقليمية.
التكنولوجيا والتعليم
وتبدو الفرصة قائمة للتعاون الخلّاق في مجال بناء المعارف والقدرات.. والتدريب في الذكاء الاصطناعي، وشراكات مصرفية، ودعم الشركات الصغيرة لتعزيز الرقمنة ورفع الكفاءة بنسبة تصل إلى 15%.
الأمن والإغاثة الإنسانية
كما أن من المفترض، من وجهة نظر الدكتور عربش، تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم المساعدات بقيمة 94.5 مليون جنيه الضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي ومعالجة أزمة النزوح واللاجئين.
أخيراً، لعله من نافل القول أن انفتاح بريطانيا على سوريا بعد سقوط النظام سيكون مدفوعاً ببراغماتية متبادلة، تبدو مشروعة ومطلوبة اقتصادياً وأمنياً تتمثّل في استقرار المنطقة، واستفادة الشركات البريطانية، وإعادة اللاجئين.. وهذا الملف الأخير “اللاجئين” سيكون مرتبطاً بالمعالجة المتكاملة الجارية على نطاق أوروبي.
- المدن






















