ملف اللاجئين
ويعد ملف اللاجئين الأكثر وضوحاً لدى الجانب الألماني الذي يبحث عن حلول مشتركة مع دمشق، لإعادة العدد الأكبر من السوريين إلى بلادهم طوعاً. ولجأ أكثر من مليون سوري إلى ألمانيا خلال سنوات الحرب، لا سيما بين عامي 2015 و2016، حصل عدد كبير منهم لاحقاً على الجنسية الألمانية. وفي ألمانيا التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، في مارس/آذار 2025، بعد إغلاق دام 13 عاماً، أكبر جالية سورية في الاتحاد الأوروبي. كما من المتوقع أن يثير الجانب الألماني قضايا حقوق الإنسان وحماية الأقليات، لا سيما أن العديد من الأحزاب الألمانية، بينها حزب اليسار، تعتبر أن سورية ليست بلداً آمناً والوضع فيها هش عموماً، فيما يرفض الحزب الاشتراكي الديمقراطي الدعوة العامة لإعادة اللاجئين السوريين.
في المقابل، تريد سورية مساعدة ودعم دول الاتحاد الأوروبي للنهوض بالاقتصاد لتوفير الظروف التي تغري اللاجئين بالعودة إلى بلادهم التي خرجت للتو من حرب طويلة، أنهكت البنية التحتية وخلقت أزمات اقتصادية تبدو حتى اللحظة عصية على حلول عاجلة. ولا تبدي الحكومة السورية حماساً كبيراً لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم في الوقت الراهن، بسبب عدم القدرة على تجاوز الكثير من التحديات الأمنية والإدارية والاقتصادية فـ”معظم المناطق التي شهدت عودة جزئية تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، وتواجه نقصاً حاداً في الخدمات والتعليم والصحة”، بحسب التقرير السنوي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، منتصف العام الماضي.
الحاجة لضخ الاستثمارات
وتحتاج سورية، بحسب الباحث السوري في مركز الحوار السوري للدراسات، أحمد القربي، إلى “استثمارات أوروبية وضخ الأموال في شرايين الاقتصاد”، موضحاً لـ”العربي الجديد”، أن “رفع العقوبات الأوروبية (20 مايو/أيار 2025)، على سورية لم يعقبه انفتاح اقتصادي وخطوات عملية على هذا الصعيد”.
أحمد القربي: تبرز ملفات أخرى تتعلق بالمرحلة الانتقالية في سورية والبحث عن دور أوروبي لدعمها
وفي رأيه فإن “هذا أحد الملفات الأساسية التي يحملها الرئيس الشرع إلى برلين”، مضيفاً أن “هناك ملفات أخرى تتعلق بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية والبحث عن دور أوروبي لدعمها، لا سيما على مستوى الحوكمة والشفافية، وتعزيز شرعية الإدارة السورية الجديدة في الخارج، وتأييد الخطوات التي تقوم بها في البلاد على المستوى السياسي”.
وفي ألمانيا، قال عضو هيئة الحزب المسيحي الديمقراطي عن دائرة شتور، التابعة لولاية سكسونيا السفلى، أندرياس كروغه، لـ”العربي الجديد”، إن “أولى تطلعات ألمانيا، الرغبة بالانفتاح وتعزيز العلاقات مع الدولة السورية الجديدة والعمل على استقرار الوضع هناك”، مضيفاً أن “برلين لن تتأخر في تقديم المزيد من الدعم للمساعدة الفعلية في إعادة إعمار سورية وإنعاش اقتصادها”. وتوقّع أن “هذا الملف سيشكل حيزاً مهماً من المحادثات خلال الزيارة. وأشار كروغه المنتمي لأكبر أحزاب الائتلاف الحاكم، إلى أن “التعاون والمساهمات المستقبلية في سورية الجديدة ستمنح ألمانيا فرصة لتصبح شريكاً استراتيجياً في إعادة نهضتها بعدما مزقتها الحرب وأفقرتها الصراعات الداخلية، وسيعزز أيضاً رغبة العديد من الشركات الألمانية للاستثمار وبناء شراكات في بلد غني بالموارد الطبيعية، ولخلق أسواق جديدة لصناعاتها”.
أندرياس كروغه: يجب أن تلتزم دمشق بتحقيق تقدم في ما يتعلق بحماية الأقليات والشفافية لضمان الشراكات المستدامة
هذا كله، وفق كروغه، يتطلب أيضاً “التزامات بشروط واضحة من الجانب الآخر، بينها حماية الأقليات والسماح بالمشاركة السياسة الكاملة، والشفافية لضمان الشراكات المستدامة ما سيسمح بالتخلي عما يسمى المساعدات الطارئة”. ولفت إلى أنه “يبرز أيضاً ملف الدعم الاجتماعي والتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية وتعزيز الإدارة ودور المجتمع المدني، فبرلين على قناعة كاملة بذلك وهناك العديد من التقديمات حالياً مع سعي لمضاعفتها”. واستذكر تصريح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عند زيارته، قبل أشهر، ضواحي دمشق، حين قال: “يكاد لا يستطيع أحد أن يعيش حياة كريمة هنا”. وخلص كروغه إلى أنه بذلك تسهل الحكومة العمل لإعادة اللاجئين إلى وطنهم، وهذا ما ينص عليه اتفاق الائتلاف الحكومي في ألمانيا.
وكان حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف، قد انتقد زيارة الشرع إلى برلين، والتي كانت مقررة في يناير الماضي، إذ اعتبر عضو كتلة “البديل”، ماركوس فرونماير، حينها في تصريحات، أن “أي شخص لا يتصدر عناوين الأخبار في السياسة الخارجية إلا بالخطابات الأخلاقية والاستشهاد في القانون الدولي، ثم يستقبل الشرع، يظهر نفسه بمظهر المثير للسخرية”.
زيارات أحمد الشرع
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أجرى منذ توليه السلطة رسمياً في يناير 2025 العديد من الزيارات إلى دول عربية وغربية، في إطار استراتيجية الإدارة السورية المعلنة، والقائمة على خلق علاقات إقليمية ودولية متوازنة، لترسيخ الاستقرار في البلاد. وتعد زيارة أحمد الشرع إلى برلين هي الثانية إلى دول الاتحاد الأوروبي، بعد باريس التي زارها في منتصف العام الماضي، وكانت مؤشراً واضحاً على انفتاح أوروبي على الإدارة السورية لمساعدتها في تخطي المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية بسلام.
لكن السفير السوري السابق في السويد، بسام العمادي، أعرب عن معارضته زيارة أحمد الشرع إلى أي دولة “لا يتم التعامل فيها معه كما تستحق سورية من احترام”، مشيراً في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن الشرع “تعرض للإهانة مرتين في موسكو بصعوده درجاً عالياً للوصول إلى مكان الاجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أكتوبر/تشرين الأول 2025 ونهاية يناير الماضي)”. وأضاف أنه “إبّان زيارته إلى باريس العام الماضي، قال وزير الخارجية الفرنسي (جان نويل بارو) إنه جرى استدعاؤه إلى هناك”. وألقى العمادي اللوم على وزارة الخارجية السورية، مشيراً إلى أنه “من المفترض إرسال وفد تحضيري قبل أي زيارة خارجية يقوم بها رئيس الدولة، ويفرض الرؤية السورية على البروتوكول المضيف”، مضيفاً: “أنصح بعدم القيام بزيارة أي بلد قبل إجراء ترتيبات تحترم مكانة سورية، هم بحاجة لنا ويرسلون الدعوات للرئيس السوري أحمد الشرع الذي يمارس صلاحيات رئيس دائم، لذا يجب التعامل معه على هذا الأساس”.
وبعد برلين، يزور الرئيس السوري أحمد الشرع لندن، في خطوة تدشن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتفتح الباب أمام انخراط بريطاني أكبر في الملف السوري. ووصف المحلل السياسي بسام سليمان الزيارة المرتقبة بـ”المهمة”، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن الزيارتين، إلى برلين ولندن “لهما أهداف اقتصادية وسياسية”. وفي رأيه فإن “الحكومة السورية تسعى إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية من خلال جذب الاستثمارات، ولكن للأسف الشرق الأوسط كله ليس بيئة جاذبة للاستثمارات في ظل الأوضاع الراهنة، وعلينا انتظار نتائج الزيارتين”.
- العربي الجديد





















