تُعدّ العلاقة بين الدين والسياسة في سوريا من أكثر القضايا تعقيداً في سياق تشكّل الدولة الحديثة؛ إذ لم يُنظر إلى الدين، منذ الاستقلال عام 1946، بوصفه شأناً فردياً محضاً، بل ظلّ عنصراً فاعلاً في تشكيل المجالين السياسي والاجتماعي. وقد استمر حضوره في بنية السلطة والمعارضة على حدّ سواء، سواء بشكل مباشر أو ضمني، ما جعله مكوّناً أساسياً في إنتاج أنماط الانتماء والهويات الجماعية.
وقد تعزّز هذا التداخل بصورة ملحوظة بعد ثورة 2011، حيث أدّت الحرب التي شهدتها سوريا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل أيضاً في ممارسات الفاعلين السياسيين وبُنى التمثيل السياسي. وفي هذا السياق، يمكن فهم الدين بوصفه جزءاً من «البناء الاجتماعي للواقع»، وفق تعبير عالم الاجتماع الألماني بيتر بيرغر، إذ تتداخل الرموز والمعاني الدينية مع البُنى السياسية لتسهم في إنتاج الهويات وإعادة تعريفها، بحيث يتحوّل الدين من منظومة اعتقادية إلى إطار تفسيري للواقع السياسي والاجتماعي.
ضمن هذا الإطار، يتحوّل الدين إلى ما يشبه «رأسمالاً رمزياً»، على حدّ تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حين يُستخدم في الصراع الاجتماعي والسياسي. فحين يُمنح انتماء ديني معيّن قيمة أعلى، سواء ضمنياً أو علنياً، يصبح هذا الانتماء وسيلة للترقّي أو للإقصاء. وقد لا يظهر هذا التمييز في نصوص قانونية مباشرة، لكنه يتجلّى في الممارسات الحياتية اليومية، وفي توزيع الفرص، وفي آليات التمثيل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
لا يمكن إغفال الدور الإيجابي للدين بوصفه مصدراً للتماسك الاجتماعي، كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، خاصة في أوقات الثورات والأزمات، حيث يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء الجماعي.
تتضح هذه الإشكالية بشكل خاص عند بناء الهوية الوطنية؛ فحين تُربط هذه الهوية بمرجعية دينية واحدة، يتحوّل الانتماء الديني إلى معيار خفي لتحديد المواطنة. وهنا تنشأ حالة من عدم التكافؤ، حيث يُعامل بعض الأفراد كمواطنين كاملي الحقوق، بينما يُطلب من آخرين، بشكل غير معلن، إثبات ولائهم أو الامتناع عن المطالبة بالمساواة. وهذا ما يمكن فهمه من خلال مفهوم «الشرعية التقليدية» لدى عالم الاجتماع ماكس فيبر، حيث تستمد السلطة مشروعيتها من العادات والتقاليد الفاعلة، وليس فقط من القوانين.
تاريخياً، عكست النقاشات الدستورية في سوريا هذه الإشكالية بوضوح، حيث شكّلت مسألة الدين والدولة نقطة خلاف مركزية بين التيارات السياسية السورية المختلفة، المرتبطة بسياقات سياسية واجتماعية معقّدة. ففي دستور عام 1920، على سبيل المثال، جرى تجنّب النص الصريح على دين الدولة أو مصدر التشريع، نتيجة توازنات بين تيارات ليبرالية ومحافظة ووسطية. أما في دستور 1950، فقد تم إدراج نصوص أكثر وضوحاً، مثل اعتبار الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع، وهو ما يعكس تحوّل ميزان القوى داخل المجتمع والدولة.
غير أن هذا التوجّه لا يقتصر على النصوص، بل يتجلّى أيضاً في أشكال «الإقصاء الناعم» عبر الخطاب العام والصور النمطية، وفي فرض منظومة قيم معيّنة بوصفها طبيعية، رغم ارتباطها بمصالح فئات محددة. وهنا تتجلّى آليات الهيمنة الثقافية التي تحدث عنها أنطونيو غرامشي، والتي تعيد إنتاج التفاوت بشكل غير مباشر.
إشكالياً، لا تكمن المشكلة في حضور الدين بحدّ ذاته، بل في اختزال الهوية الوطنية في بُعد ديني واحد؛ إذ يؤدي ذلك إلى تحويل المواطنة من حق متساوٍ إلى امتياز مشروط، ويضعف الثقة بين مكوّنات المجتمع، ويعزّز الانقسامات على المدى الطويل.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي للدين بوصفه مصدراً للتماسك الاجتماعي، كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، خاصة في أوقات الثورات والأزمات، حيث يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء الجماعي. وقد برز هذا الدور في سياق الاحتجاجات السورية، حيث تحوّلت الفضاءات الدينية إلى ساحات للتعبئة الاجتماعية والسياسية. ومن ثم، فإن استبعاد الدين كلياً من المجال العام قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر خلق فجوة بين الدولة والمجتمع.
لكن الخطر الأكبر يظهر عندما تتحوّل الهوية الدينية إلى هوية مغلقة تختزل الإنسان في بُعد واحد فقط. وهذا ما يحذّر منه الفيلسوف الهندي أمارتيا سن في حديثه عن «الهويات القاتلة»، في كتابه الهوية والعنف، حيث يرى أن اختزال الإنسان في انتماء واحد يلغي تعدديته، ويحوّل الاختلاف إلى تهديد. في هذه الحالة، لا يعود الآخر مجرد مختلف، بل يُنظر إليه كخصم أو خطر، ما يمهّد الطريق للعنف الأهلي المتبادل.
كما يتقاطع هذا الطرح مع تحليل عالم الاجتماع الكندي-الأميركي إرفينغ غوفمان في كتابه الوصم حول «وصم الهوية»، حيث يتم اختزال الأفراد في سمة واحدة تُستخدم لتبرير تهميشهم أو استبعادهم. فحين يُنظر إلى شخص ما فقط من خلال دينه، تُلغى باقي أبعاده الإنسانية، ويصبح من السهل تصنيفه أو إقصاؤه.
وقد أظهرت التجربة السورية بوضوح أن تسييس الدين يؤدي إلى تعميق الانقسامات وتحويل التنوع إلى مصدر صراع. كما لعبت الأنظمة السياسية دوراً محورياً في هذا المسار، عبر توظيف الانتماءات الدينية والطائفية في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وفي الوقت ذاته إخضاع المجال الديني لرقابة الدولة، ما أضعف استقلاليته.
ولا يقتصر هذا التداخل بين الدين والسياسة على المستوى النظري، بل يتجلّى بوضوح في الواقع السوري المعاصر، حيث شهدت بعض المدن والبلدات السورية بعد التحرير في 8 من ديسمبر 2024 أنماطاً متعددة من التوترات ذات الطابع الديني. فقد برزت حوادث متفرقة تمثّلت في الاعتداء على رموز دينية أو تضييق غير رسمي على بعض الممارسات الدينية في مناطق نفوذ مختلفة، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية ذي الطابع الطائفي على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة. كما ظهرت أشكال من توظيف الخطابات الدينية في التعبئة السياسية، سواء من قبل السلطة الحالية أو بعض قوى المعارضة، ما يعكس استمرار استخدام الدين كأداة لإنتاج الشرعية أو حشد التأييد.
تبرز مسألة إدارة التعدد الديني والاجتماعي بوصفها أحد التحديات البنيوية في سوريا.
ورغم هذه التحولات، يبقى التحدي الأساسي متمثلاً في منع انغلاق الهوية الدينية؛ إذ إن اختزال الإنسان في انتماء واحد يقوّض إمكانات التعايش ويمهّد لتصاعد النزاعات. ومن هنا، فإن الحل لا يكمن في إقصاء الدين، بل في تحييده عن التوظيف السياسي، عبر بناء دولة محايدة تضمن المساواة بين المواطنين وتحترم التعددية.
في هذا السياق، تبرز مسألة إدارة التعدد الديني والاجتماعي بوصفها أحد التحديات البنيوية في سوريا. فالمجتمع السوري يتسم بتنوع ديني وإثني وثقافي عميق، إلا أن هذا التنوع لم يُدار تاريخياً ضمن إطار تعددي، بل جرى توظيفه ضمن استراتيجيات سلطوية لإعادة إنتاج السيطرة.
وعليه، فإن إعادة بناء الهوية السورية الجامعة تقتضي تبنّي مقاربة جديدة تقوم على الاعتراف بالتنوع بوصفه معطىً بنيوياً، وليس تهديداً لوحدة سوريا. وهذا يتطلب تطوير إطار قانوني ومؤسسي يضمن المساواة بين المواطنين، ويكفل حقوق الجماعات المختلفة ضمن الدولة السورية.
في المحصلة، يتمثل التحدي الرئيس في سوريا في حماية الإنسان من الاختزال الهوياتي الديني أو الطائفي. فالمجتمع السوري، لكي يدخل في مرحلة التعافي، يتوجب أن ينجح في إدارة تنوعه ضمن إطار من الاعتراف المتبادل والمساواة بين جميع مواطنيه، حيث يستعيد الدين دوره كمصدر للقيم الأخلاقية والروحية، لا كأداة للصراع أو الهيمنة الهوياتية.
- تلفزيون سوريا


























