لم يتنازل الفلسطينيون أبدا عن هدفهم الأعلى: عدم إتاحة قيام ووجود "الكيان الصهيوني". كان يمكن في الماضي استخلاص هذا الأمر من سلوكهم. لكن صائب عريقات وأبو مازن أعلنوا عن ذلك على رؤوس الأشهاد في تموز 2009.
يئس الفلسطينيون من امكانية القضاء على إسرائيل وتصفيتها بالوسائل العسكرية، وهم يسعون الآن لتحقق هدفهم عبر طرق أُخرى: إحدى هذه الطرق استبدال الحل القائم على مبدأ الدولتين بحل قائم على أساس "دولة واحدة"، أي دولة تتضمن أقلية من اليهود وكثيراً من العرب، في دولة ثنائية القومية تفضي إلى شطب الطابع اليهودي للدولة. وفي المقابل، فإن سلوكهم في كل ما يتعلق باقتراح "الدولتين"، في حال فُرض عليهم هذا الطرح، موجه لتحقيق "دولتين لشعب واحد" – الشعب الفلسطيني. دولة أولى فلسطينية، وإلى جانبها دولة ثانية تتعرض للإغراق باللاجئين الفلسطينيين.
إسرائيل التي ترمي لأن تكون دولة يهودية وديمقراطية تعي حقيقة أن استمرار الاحتلال سيحولها إلى دولة غير ديمقراطية. وهي تسعى منذ سنين لإنهاء هذا الفصل في تاريخها. لهذا السبب اقترحت على الفلسطينيين منذ العام 2001، كل ما يحارب الفلسطينيين ظاهريا من أجله تقريبا. وكما هو معروف رفض الفلسطينيون هذه الاقتراحات. وحتى الاقتراح المحسن التي تقدم به إيهود أولمرت والذي شهد على وجوده صائب عريقات وعلى أنه أعطى الفلسطينيين مائة في المائة من مطالبهم، رُفض من قبلهم. فهم لم يكونوا مستعدين لأن يعطوا المقابل المتوقع منهم: الإعلان عن "نهاية النزاع"، وبكلمات أُخرى – التسليم بوجود دولة إسرائيل.
الحلول الوحيدة التي يكون الفلسطينيون إياهم مستعدين للقبول بها، مثل مبادرة جنيف أو الخطة السعودية على سبيل المثال، تتميز بصياغة ضبابية في كل ما يتعلق بقضية اللاجئين، بما يتيح للفلسطينيين الادعاء في المستقبل، حتى في حال استوعبت إسرائيل كل لاجئي العالم، أنها، اي إسرائيل، لم تلتزم بتعهداتها في هذا البند. وهكذا يحتفظون لأنفسهم بخيار إشعال النزاع من جديد من أجل مواصلة السعي لتصفيتها.
التصميم الأميركي في التوصل إلى إنهاء النزاع يشكل تهديدا للفلسطينيين. من جهة أولى، هم عاقدون العزم على عدم السماح بذلك. ومن جهة ثانية، فإن استمرار المماطلة والتهرب غير المفهوم سيكشف حقيقة كونهم الطرف الرافض. لذلك، وضع الفلسطينيون أمام الطريق المؤدية لطاولة المفاوضات حجر زاوية صغير – المطالبة بوقف البناء. لكن إسرائيل، وبسلوك يفتقر كثيرا إلى الفطنة والحكمة، وبدل من أن تتجاوز هذا المطلب، اصطدمت به، تورطت، سقطت على وجهها وتضررا كثيرا، حتى أنها تضررت إلى حد أن وضعها بات ميؤوساً منه.
منذ الرفض الفلسطيني في كامب ديفيد، أدرك غالبية زعماء العالم الحر وكذك غالبية مواطني إسرائيل، أن الطرف الفلسطيني هو من يرفض السلام. هذا الادراك كان ذخرا استراتيجيا ذا أهمية عليا. لكن إسرائيل "نجحت" في فقدانه وخسارته في رامات شلومو وفندق شيبرد. بسبب إصرارها الذي لا داع له بتسجيل ربح صغير في بند "القدس"، سجلت الآن خسائر فادحة وكبيرة في بند "إسرائيل"، وهي التي تُعتبر الآن الطرف الرافض. يحصل ذلك فيما العرب، الذين لم يتزحزحوا ميليمترا واحدا عن رفضهم الاعتراف بحق وجود إسرائيل، تحولوا أمام الرأي العام إلى الضحية التي تستحق التعاطف والتأييد. من خلال تبادل الأدوار البائس هذا فقدت إسرائيل الذخر الاستراتيجي الأكثر أهمية الذي كان في حوزتها خلال العقد الأخير.
في الواقع، إنهاء النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يُعتبر اليوم في الولايات المتحدة مصلحة حيوية. والسجال الدائر حول ما إذا كان الجنرال بتراوس قال أم لم يقل هذا، انتهى عندما أوضح وزير الدفاع الأميركي ذلك بنفسه قبل أيام معدودة.
كيف يمكن إنهاء النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني؟ ليس ثمة سبب يدفعنا إلى الاعتقاد أن الفلسطينيين، الذين رفضوا في السابق كل اقتراح لم يكن يتضمن القضاء على إسرائيل كدولة يهودية، سيكتفون بأقل من ذلك الآن. فهل سيوافقون على أن يدخل أوباما كتاب التاريخ باعتباره الرجل الذي أتاح ذلك؟ لا أحد يعرف الجواب.
ينبغي أن نتذكر أن أوباما لا يسطر تماما على التفاصيل الصغيرة ولا يتحكم بها. هكذا على سبيل المثال حصل في مؤتمر إيباك السابق، عندما وعد إسرائيل بأن تكون القدس موحدة إلى الأبد، واضطر سريعا إلى التصحيح لنفسه بعد أن اكتشف أن موقفه كان متهورا. كذلك ينبغي أن نذكر أنه من السهل التضحية بإسرائيل حتى من دون الإعلان عن ذلك بصوت عال. يكفي السماح من خلال غض النظر أو ببراءة، صياغة إشكالية في قضية اللاجئين حتى تتعرض إسرائيل للسياقات التي يرغب بها الفلسطينيون، والتي ستقود مع الوقت إلى القضاء على إسرائيل كدولة يهودية.
الصراع السياسي – القانون المتوقع لإسرائيل هو أيضا صراع حول العلاقات العامة. وسيكون للرأي العام في العالم وفي إسرائيل تأثيرا كبيرا على العملية ونتائجها. فإسرائيل التي تتمنى انتهاء النزاع، "نجحت" بحماقتها في أن تدخل نفسها في ورطة. كل مستشار مبتدئ كان سيوصيها الآن بأن تعرض على العالم خطابا خاصا بها، يكون قصيرا، واضحا، متماسكا، استيعابيا ومقنعا بالنسبة لموقفها، نواياها والأسباب التي من أجلها تستحق التأييد.
على سبيل المثال، خطاب يلقيه رئيس الحكومة، يعلن فيه عن تطلع إسرائيل للتوصل إلى انهاء النزاع، عن موافقتها على إقامة دولة فلسطينية، عن استعدادها للبحث في كل المواضيع التي هي موضع خلاف وتقديم تنازلات كبيرة؛ كل هذا في الوقت الذي يقبل فيه الفلسطينيون التفاوض مع إسرائيل حول الحل القائم على أساس دولتين لشعبين – دولة فلسطينية للفلسطينيين ودولة يهودية لليهود.
كل مستشار كبير في مجال العلاقات العامة كان سيوصي أيضا بأن يكون هناك مقارنة بين التصريحات وبين سلوك المصرح لاحقا.
("يديعوت أحرونوت" 2/4/2010)
"المستقبل"




















