في حديث مع صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، قال رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض "إن العالم سيشاركنا اعلان الدولة الفلسطينية في آب 2011"، وشدد على ان "الاسرائيليين سيشاركوننا ايضا في الاحتفال باعلانها". وهي دعوة مباشرة الى الاسرائيليين كي "يكفوا عن ألاعيب لا توصل احدا في المنطقة الى سلام وأمن".
ولا يراهن فياض على ما يفعله الاسرائيليون بل على ما يفعله الفلسطينيون على الارض. ولا جديد اليوم لديه في شأن اعلان الدولة، فهو وضع منتصف السنة الماضية خطة بناء مؤسسات الدولة خلال سنتين بتفويض من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ودعمه و بدرجة اقل من حركة "فتح" التي ترى فيه منافسا على ارث الحركة الوطنية الفلسطينية، فيما تعتبره حركة المقاومة الاسلامية "حماس" الخصم السياسي الحقيقي لها، لانها هي الاخرى تنافس على الارث ذاته، وتتهم حكومته بأنها " دمية" في يد الجنرال الاميركي كيت دايتون الذي يشرف على البرنامج الاميركي لصرف اموال مخصصة لتأهيل قوى الامن الفلسطينية بعد تدمير الجيش الاسرائيلي مقراتها ومكاتبها خلال الانتفاضة، وهي مطالبة بضبط الامن وتوفيره للفلسطينيين اولا، وللتفاهمات التي تبرم مع الاسرائيليين والمجتمع الدولي على طريق انهاء الاحتلال.
وثمة تلميحات صحافية الى ان فياض اتفق مع الادارة الاميركية على اعلان دولة خلال سنتين.
"فتح" تحاول انقاذ نفسها من التلاشي مع كل انسداد سياسي في استراتيجية التفاوض التي تبنتها منذ توقيع اتفاق اوسلو مع انها تضمنت مواجهة كانت الاعنف مع الجيش الاسرائيلي في الانتفاضة الثانية، ولذلك عرضت اخيرا استراتيجية مواجهة شعبية وسلمية مع اسرائيل مترابطة مع ملاحقة اسرائيل قانونيا على المستوى الدولي، والعمل على اجراء مصالحة فلسطينية مع "حماس" وبناء مؤسسات الدولة التي يقوم بها فياض، وهي استراتيجية يندرج اعلان الدولة الفلسطينية في نهايتها. كما انها تعزز ما يفعله فياض على الارض ليصير جزءا من استراتيجيتها، فهو انجز الف مشروع في المناطق الريفية المهمشة في الضفة الغربية (كهرباء، ماء وطرق ومدارس ومستوصفات ونظام حكم محلي شفاف)، وبدأ تنفيذ الالف الثاني مع استراتيجية تطوير الزراعة بانشائه شركتي تامين وتسويق زراعيتين برأس مال 500 مليون دولار، وتطوير البنية التحتية والصناعية مع خطة مقاطعة بضائع المستوطنات محليا ودوليا.
المقاومة الشعبية الفلسطينية تتطور وتتسع ببطء ومن دون خضات قوية، الا اذا قامت اسرائيل نفسها بخطوات دراماتيكية مثل بناء "هيكل الخراب" قرب الحرم القدسي الشهر الماضي.
اسرائيل نفسها تحاول تجفيف مياه المقاومة الشعبية السلمية للاستيطان ومصادرة اراضي الفلسطينيين من طريق حملات منظمة تضيق فيها على المقيمين الاجانب في الاراضي الفلسطينية وعلى مشاركة هؤلاء في المقاومة الشعبية في قرى بلعين ونعلين والمعصرة والنبي صالح وبورين في الضفة الغربية، وملاحقة الاسرائيليين المشاركين في التضامن مع الفلسطينيين في سلوان والشيخ جراح شرق القدس وبلعين غرب رام الله. واخيرا اعلان اسرائيل بعض هذه القرى منطقة عسكرية مغلقة ايام الجمعة ولمدة ستة أشهر لمنع غير سكانها من التحرك فيها.
المعركة على وقف الاستيطان في القدس فتحت افقا جديدا للمقاومة الشعبية، كما فتحت افقا للمفاوضات السياسية من خلال تنحية خيار السكوت عن تخريب اسرائيل حل الدولتين، ودحرجة واشنطن سلسلة مواقف تشير الى نية وارادة قوية لانهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة حل الدولتين اذ وضع الرئيس الاميركي باراك اوباما خطوات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستيطانية في القدس والضفة الغربية في تناقض مع حل الدولتين، وطالبه بحل هذا التناقض التزاما لما وافق عليه ( نتنياهو) علناً في خطاب جامعة بار ايلان.
جديد ادارة اوباما هو تعريف جديد لمصالح اميركا يتضمن نزع الشرعية عن الاستيطان والاحتلال، ليس في فلسطين فحسب، بل في كشمير وفوكلاند ايضا ومع حلفاء اكثر تأثيراً ومكانة على الساحة الدولية من اسرائيل مثل بريطانيا والهند. وهذا الجديد لا يعني بأي حال اعطاء شرعية لاي مقاومة من النوع العنيف للاستيطان الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية، بل التفاوض لتطبيق حل الدولتين على نحو لا يتجاوز ولا يلغي القرار 242 وهو ما ينطبق على القدس ايضا.
فياض يسرع في الاستعدادات لفرض وقائع جديدة اذا ما جاء استحقاق الدولة من دون تغيير سلبي في مواقف الادارة الاميركية، لان التاريخ غني بالعبر. وما قد تكون فرصة اليوم ربما لا يكون غدا. واسرائيل لا تعدم ادوات ضغط وتغيير في البيت الاميركي. "فتح" تعطي فياض حاضنة شعبية لمشروعه وتصميمه على خوض المعركة السلمية لبناء الدولة، وهو ما دفع اخيرا حركة "فتح" الى اعلان استراتيجيتها ومشاركة اعضاء لجنتها المركزية في نشاطات شعبية سلمية ووقوفهم صفا واحدا مع عضو اللجنة المركزية في "فتح" عباس زكي الذي اعتقلته اسرائيل لانه شارك في تظاهرة تحدت القيود التي تفرضها اسرائيل على الوصول الى الاماكن المقدسة في سبت النور واعياد الفصح المجيد. واسرائيل لا تريد تكوين صورة لـ "فتح" وغيرها يكون قياديون فيها يقودون المقاومة الشعبية.
لكن صورة فياض خلف محراث يوم الارض في قراوة بني حسان بالضفة الغربية جرّت وراءها زعماء "فتح"، وربما زعماء "حماس" كي يعيدوا حساباتهم. فالاخيرة ايضا لا ترى اليوم في الصواريخ عملا مقاوما. وسبحان مغيّر الاحوال.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"




















