انتظر العالم ما سيقوله دونالد ترامب، بعد إعلان نائبه جي دي فانس، عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران في مفاوضات تجري في باكستان. ساعات مرّت قبل أن يستفيق الرجل ويكتب تغريدته التي فيها مؤشرات واضحة بأنه يريد أن “يحاصر العالم”. أعلن ترامب أن أميركا ستفرض حصاراً على مضيق هرمز، ومنع أي سفينة من عبوره إضافة إلى فرض عقوبات على أي سفينة تعبر بعد تنسيق مع إيران، خيار الحصار البحري تنظر إليه إيران بوصفه إجراءً عسكرياً وشكلاً من أشكال تجدد الحرب، وهذا قد يكون قابلاً لتجدد الحرب الواسعة، خصوصاً أن إسرائيل تتحين الفرصة وتنتظرها مجدداً.
لم يقتصر الخلاف الأميركي الإيراني في المفاوضات على فتح مضيق هرمز، بل هناك أسباب عديدة حالت دون التوصل إلى اتفاق:
أولاً، الملف النووي، إذ اشترطت واشنطن تخلي إيران عن التخصيب بشكل كامل على أراضيها، وتفكيك منشآتها النفطية.
ثانياً، تسليم اليورانيوم عالي التخصيب وإخراجه إلى خارج إيران، وهو ما رفضته طهران.
ثالثاً، اشترط الأميركيون أن تتخلى إيران كلياً عن دعم حلفائها في المنطقة ومشروع نفوذها الإقليمي، بينما إيران كانت تتمسك بضرورة وقف الحرب على حلفائها خصوصاً حزب الله، فيما رفضت الولايات المتحدة الأميركية إعطاء أي ضمانات بوقف الحرب الإسرائيلية على الحزب.
رابعاً، لم يحصل توافق على ملف الأموال المجمدة، إذ طالبت طهران بالإفراج عن أموالها مقابل فتح مضيق هرمز، لكن الأميركيين اشترطوا الإفراج عن الأموال بلحظة الوصول إلى اتفاق شامل.
خامساً، اشترطت واشنطن تقييد البرنامج الإيراني للصواريخ البالستية ووقف صناعة الصواريخ البعيدة المدى، كما اشترطت أميركا أن تخضع مصانع السلاح الإيرانية لعمليات تفتيش، وهو ما رفضته طهران واضعة إياه في خانة التعدي على السيادة، كما تمسكت ببرنامجها الصاروخي على قاعدة أنه لغايات دفاعية وليست هجومية.
سادساً، عارضت واشنطن دفع تعويضات عن الحرب، كما رفضت طلب إيران باللجوء إلى اتخاذ قرار في مجلس الأمن الدولي يوقف الحرب ويمنع الاعتداء عليها مجدداً، بينما أميركا رفضت ذلك متمسكة بالاتفاق الثنائي بين البلدين.
إثر فشل الاتفاق، اتجه ترامب فعلياً لحصار العالم عبر قراره إغلاق مضيق هرمز، معلناً عن استعداد دول جديدة للانضمام إليه، كما أعلن عن العمل على تفكيك الألغام التي زرعتها إيران في المضيق، خطوة ترامب تذكر بحرب الخليج وما عرف يومها بحرب الناقلات التي فرضت أميركا في حينها حصاراً على إيران، خرج بعدها مرشد الجمهورية الإسلامية الخميني ليعلن عن تجرع كأس السم والوصول إلى اتفاق مع العراق على وقف الحرب. لكن أهداف ترامب تبدو أبعد من ذلك، وتتصل برؤيته لإعادة تشكيل العالم أو الاقتصاد العالمي وسلاسل إمداده.
فمن خلال الإغلاق الكامل والمحكم لمضيق هرمز، سيضغط ترامب على كل الدول التي يمثل المضيق حاجة استراتيجية لها ومن خلاله تعبر احتياجاتها النفطية، وهو بالذات يضغط على الصين، كما يضغط على الدول الأوروبية التي يعتبر أنها لم تقف إلى جانبه ولم تسانده في حربه على إيران، لذا فإن إغلاق المضيق سيدفعها للتحرك، او أن ترامب يعتبر ذلك إجراءً عقابياً بحقها. كذلك فإن إغلاق هرمز سيتيح لترامب أن يمهد لبيع المزيد من النفط والغاز الأميركيين، ويجعل أميركا هي التي تتحكم بسعر السوق، كما أنه سيدفع دول العالم إلى البحث عن سلاسل إمداد جديدة لتجنب هرمز وعدم الارتكاز عليه، وهذا قد يمهد استراتيجياً إلى منع دول أوبك من التحكم بأسعار النفط وكميات إنتاجه وآليات توريده.
انطلاقاً من هذا المشروع، فإن ترامب يعمل على تطبيق استراتيجية جديدة، تتعلق بالنفط العالمي، وكيفية تصديره وتوريده، في إطار الصراع المفتوح على الممرات وسلاسل الإمداد، وهو ما يعيد إحياء التنافس بين دول عديدة حول خلق مسارات جديدة، فأكثر من يفتح شهيته على ذلك هو إسرائيل وبنيامين نتنياهو الذي لا يزال يطمح لأن يصبح مشروع طريق الهند هو المشروع الأساسي الذي يرتكز عليه العالم من آسيا إلى الخليج العربي فأوروبا.
في المقابل، فإن دول الخليج بدأت بالبحث عن بدائل من مضيق هرمز، واتجهت على تركيز الاعتماد على البحر الأحمر القابل بدوره أيضاً إلى انعدام الأمان في حال تجددت الحرب على إيران، وهو ما سيدفع إلى البحث عن طرق جديدة، من بينها فتح خطوط من الخليج إلى سوريا عبر الأردن ومن هناك إلى تركيا ومن السواحل السورية نحو أوروبا. هنا لا يمكن إغفال المشروع الذي أعلنت عنه سوريا وتركيا مع الأردن، إضافة إلى مشروع “البحار الأربعة” الذي يضع سوريا وتركيا في موضع نقطة الالتقاء الإستراتيجي بين الخليج العربي، البحر المتوسط، بحر قزوين والبحر الأسود، علماً أن هذا المشروع سيتعرض لحرب إسرائيلية شرسة لمنع تحقيقه.
لبنان، لن يكون بعيداً عن تداعيات الصراع على خطوط الإمداد والسلاسل، فموقعه على البحر الأبيض المتوسط، وفي موقع يتوسط تركيا وإسرائيل، سيكون عرضة لتنافس وتناتش، ولذلك استعجل الإسرائيليون منذ فترة طويلة الإعلان عن نيتهم الوصول إلى اتفاقات اقتصادية مع لبنان، كل هذه الاتفاقيات ترتكز على مشروع تصدير الغاز من المتوسط، وأن تكون الحدود البحرية والحقول اللبنانية مرتبطة بالحقول الإسرائيلية وخط الإمداد والتوريد. إسرائيل تريد للبنان أن يكون في فلكها أو كنفها، لا أن يكون شريكاً لأي مشروع خليجي-سوري-تركي مشترك.
وبالتأكيد أن أي مشروع من هذا النوع سيكون عرضة لحرب إسرائيلية جديدة بدأ الإسرائيليون التمهيد لها من خلال كلام نتنياهو قبل فترة عن مواجهة التحالف الراديكالي السني كما وصفه، إضافة إلى تركيز الهجوم على تركيا، وإصراره على إقامة منطقة عازلة في سوريا الهدف الأساسي منها هو مقارعة تركيا فوق الجغرافيا السورية، وقدرة إسرائيل على تعطيل أي خط يمر فوق الأراضي السورية. أما ترامب فربما يريد لهذه الحرب في هرمز، ومع إيران، أن تدفع دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، وربما دفعها للمساهمة في تعبيد طريق الهند.


























