يتميز القطاع المصرفي اللبناني بانفتاحه على الخارج. فإضافة إلى فروع مصارف خارجية أجنبية وعربية تعمل في لبنان، باشرت المصارف اللبنانية التوسع خارج الحدود مستفيدة من الميزات التفاضلية التي تتمتع بها. وافادت من البيئة القانونية الملائمة التي يحظى بها لبنان والتي تؤمن له مناخاً انفتاحياً يؤهله للتفاعل مع الأسواق الخارجية، كذلك من الانفتاح الاقتصادي والمالي في الدول المضيفة.
إن لتوسع المصارف اللبنانية في الخارج أسبابا وعوامل متعددة شجعت وساهمت في نجاحه، وابرزها مؤهلات القطاع وقدراته المالية والإدارية والكفايات البشرية والمهنية والخبرة الطويلة في ابتكار منتجات وأدوات جديدة وتنويع الخدمات الالكترونية. ومن الأسباب الخارجية، التشريعات والأنظمة المالية والمصرفية الناظمة لقطاعات المال والأعمال في الأسواق المضيفة، وإحداث رقابة وإشراف مصرفي ومالي وفق المعايير الدولية، وتحرير الخدمات المالية وسهولة التحويلات، إلى توفير عناصر بيئة استثمارية جاذبة، وبيان درجة عالية من الإفصاح والشفافية إزاء مختلف أنواع المخاطر والأنظمة.
إن توسع المصارف لم يكن باتجاه الأسواق الإقليمية والعربية التي تشكل امتداداً طبيعياً للاقتصاد اللبناني فحسب، بل إلى الأسواق العالمية أيضا. وتسعى إلى تعزيز انتشارها في أسواق الدول المضيفة للجاليات اللبنانية العاملة أو المغتربة لمواكبتها وتزويدها احدث الخدمات المالية. وباتت في عدد من الدول العربية مثل سوريا والأردن ومصر والعراق والسعودية وقطر ودبي والبحرين والجزائر والسودان وعمان وبعض الدول الإقليمية كتركيا وأرمينيا. وكان التوسع الدولي في اتجاه إفريقيا وأوروبا واحتمال وجوده في بلدان كالولايات المتحدة واستراليا أيضا.
يتخذ الوجود المصرفي اللبناني المباشر في الخارج أشكالا قانونية مختلفة: فبعضها أمّن حضوراً عبر تأسيس مصارف تابعة أو فروع مصرفية أو مكاتب تمثيل، وبعضها الآخر أقام علاقات تعاون وترابط وتحالفات إستراتيجية مع شركاء إضافة إلى صيغ أخرى غير الوجود المباشر كالتوظيف والاستثمار. وتخضع المصارف العاملة في الخارج للقرارات الصادرة عن مصرف لبنان والمتعلقة بتنظيم العلاقة مع الوحدات التابعة لها في الخارج، وللقوانين والأنظمة في البلد حيث تمارس نشاطها. وثمة رقابة تشارك فيها لجنة الرقابة على المصارف في لبنان مع السلطات المختصة في أماكن الانتشار الخارجي بموجب مذكرات تفاهم توضع للغرض، وتتضمن المعاملة بالمثل بحيث تضع السلطات المذكورة اللجنة في أجواء مستجدات المصارف وتزودها بيانات دورية مفصلة عنها. وأصبحت فروع المصارف اللبنانية في الخارج تساهم بأكثر من 20 في المئة من المداخيل المصرفية، فيما يتطلع مصرف لبنان إلى ارتفاع هذه النسبة في السنوات المقبلة.
إن حاكم مصرف لبنان أكد مواصلة حضّ المصارف على التوسع خارجا والعمل على تحرير كلي لتوظيفاتها في الخارج، مع ضرورة ان يتناغم مع قدراتها من إدارة سليمة وملاءة كافية وجدوى اقتصادية واجبة. ويأتي هذا ضمن إطار التوجهات الأساسية لمصرف لبنان لسنة 2010، والتي تعزز فرص لبنان لتحقيق نجاحات اقتصادية إقليمية ودولية تتجاوز عدد سكانه وامتداده الجغرافي. كذلك، فان مصرف لبنان حريص على درس سياسة الانتشار ومراقبتها تماما كما يفعل داخليا.
لقد افادت المصارف اللبنانية من الانفتاح المصرفي السوري عام 2001 وبدأت الانتشار في سوريا بفضل العلاقات التاريخية والثقافية، علما ان الانتشار بدأ في ظل القانون القديم الذي وضع شروطا على ممارسة العمل المصرفي رغم كونه فتح الأسواق، وابرزها عدم جواز تخطي حصة الشريك الأجنبي 49 في المئة ووضع سقف للحد الأدنى لرأس مال المصارف الخاصة لا يتعدى الـ30 مليون دولار. لكن مع بداية 2010، عدّلت سوريا قانون تأسيس المصارف الخاصة لجهة زيادة الحد الأدنى لرأس مال المصارف الخاصة إلى 200 مليون دولار، والمصارف الخاصة الإسلامية إلى 300 مليون دولار وزيادة حصة الشريك الأجنبي من رأس القطاع المصرفي السوري إلى 60 من 49 في المئة حدا أقصى. ويتوقع ان يكون لهذا التعديل المهم دور ايجابي في استقطاب عدد أكبر من المصارف الأجنبية والعربية، ولا سيما اللبنانية.
إن التطورات والتحولات في الاقتصاد السوري عموما والقطاع المصرفي تحديدا جعلته بيئة جاذبة للاستثمار، وخصوصا انها ركزت على الإصلاح والانفتاح والتطوير في اتجاه اقتصاد السوق وإنعاش القطاع الخاص، وتعزيز الأطر التشريعية والقانونية والإجرائية، والتزام المعايير الدولية. إضافة، فان التزام المؤسسات المعنية في سوريا وفي مقدمها المصرف المركزي ووحدة الإخبار المالية بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب هو أيضا عنصر مطمئن للمستثمرين في القطاع المصرفي السوري.
إن تجربة المصارف اللبنانية في سوريا رغم صغر سنها كانت ايجابية ومربحة. اذ اثبتت فروعها أو وحداتها التابعة جدارتها وقدرتها على التفاعل مع الحاجات المصرفية لمختلف أنواع الزبائن، فضلا عن دعم مشاريع حقيقية تساهم في تطوير الاقتصاد السوري وتنميته وفي نقل خبراتها وخدماتها إلى الداخل السوري.
إن المصارف اللبنانية في سوريا تؤدي دورا مهما في زيادة عمليات التبادل التجاري بين البلدين وتسهيلها، وتساهم في تطوير الحركة الاستثمارية بين الدولتين. حاليا، في سوريا فروع أو وحدات تابعة لتسعة مصارف لبنانية هي فرنسبنك، بنك لبنان والمهجر، بنك سوسيتيه جنرال في لبنان، بنك بيمو، بنك عودة (مجموعة عودة-سرادار)، بنك بيبلوس، بنك لبنان والخليج، بنك بيروت والبلاد العربية وبنك FFA. إن موجودات هذه المصارف وتسليفاتها وأرباحها تزيد من عام لآخر، وهذا مؤشر ايجابي ومشجع للمصارف الأخرى في لبنان للتوسع باتجاه سوريا. اذ بلغت الموجودات في 2009 نحو 6,73 مليارات دولار، والودائع نحو 5,83 مليارات دولار، والتسليفات نحو 2,2 ملياري دولار. أما الأرباح فبلغت نحو 41,5 مليون دولار.
إن فروع المصارف اللبنانية والوحدات التابعة لها في سوريا تقدم سلة متكاملة من الخدمات مثل توفير التمويل اللازم للشركات وللمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد والرافد الأساس للنمو والتنمية، وتوفير القروض الصغيرة والمتناهية الصغر الاستثمارية والاستهلاكية وبطاقات الائتمان وقروض السيارات وغيرها، اضافة الى خدمات مصرفية أخرى كإمكان التواصل مع المصرف 24/24، وتامين تمويل التجارة الخارجية، وصولا إلى إصدار الكفالات بما يلبي حاجات قطاع الأعمال والأفراد.
لا بد من التأكيد أن تعزيز التعاون المصرفي القائم بين سوريا ولبنان وتطويره في مجالات متعددة، منها التأهيل والتدريب وإيجاد نظام مدفوعات مشترك والتعاون على المستوى الرقابي المصرفي وفي مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يعتبر أمراً حيوياً للبلدين. كذلك، يتمثل أحد أهم مجالات التعاون الواعدة في صناعة الصيرفة الإسلامية التي باتت قطاعا أساسيا ضمن منظومة العمل المالي الإسلامي، علما ان دورها في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية هو في تزايد مستمر خصوصا مع تنامي أعداد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وأحجامها واتساع قاعدة خدماتها ومنتجاتها وصيغها التمويلية وتنوعها.
(•) نائب حاكم مصرف لبنان.
محمد بعاصيري
"النهار"




















