التدهور الأمني المتصاعد والمتلاحق في العراق، بدأ يثير الخشية، بقدر ما يثير من الشكوك؛ من أن يؤدي إلى إدخال الوضع من جديد إلى غرفة العناية الفائقة. أمنياً وسياسياً. وهذه المرة، مثل هذه العودة لو حصلت، فقد تكون تداعياتها مهلكة؛ على مستقبل البلد ومسيرة استرداد سيادته ودولته.
فالعملية السياسية قطعت شوطاً كبيراً. وصلت إلى مفصل، لاتحتمل عنده المراوحة المتعثرة؛ ولا التراجع. كلاهما، انتكاسة لها آثار خطيرة.
الانتخابات، بالصورة التي حصلت وما انطوت عليه من مدلولات وطنية جامعة؛ قدّمت فرصة ثمينة، كان من الصعب توقعها في الأمس القريب. فرصة لوضع البلد على سكّة الخروج من أزمته.
نتيجة الانتخابات، بتوازناتها وتلاوينها المتداخلة، تعكس رغبة الناخب العراقي، بتركيب حكومة تحالف وطني واسع. مثل هذه التشكيلة، التي تستمد قدرتها من توافق عراقي شعبي مخترق للطوائف والخنادق؛ تكون قفزة نوعية باتجاه المصالحة مع النفس وقبول الكل بالكل.
البلد بحاجة إلى هكذا صيغة. وحدها تمكّنه من التصدّي لملفاته الأساسية المعلّقة. بالأحرى لمعضلاته البنيوية، التي يتطلب التغلب عليها؛ ليس فقط توافق سياسي حكومي، بل أيضاً إرادة حاسمة بالعودة إلى العراق الواحد وبناء دولته التي تتسع لمشاركة كل مكوناته الوطنية.
مرحلة ما بعد الانتخابات، اختبار صعب؛ للعبور بهذا الاتجاه. الخلفية مأزومة. الوضع مشحون بالكثير من عوامل التفكك. عناصر التفجير، ما زالت قائمة وفاعلة؛ كما تشي به سلسلة العمليات الأخيرة.
نوعيتها واختيار أهدافها والقدرة على تنفيذها بهذه الصورة المكثفة والمتوالية؛ كلها تشير إلى أن يد العنف ما زالت طويلة. الأخطر، أن تصاعدها يسير بخط طردي مع التأزم السياسي الذي تلا الانتخابات. وكأن الواحد يشحن الآخر.
إذا كان يتعذر حالياً، لجم وردع دورة العنف؛ فإن السيطرة على الأزمة السياسية يفترض أن تكون متاحة. المفتاح بيد الكيانات السياسية المتواجدة على الساحة. المفقود، حتى الآن؛ قرار بهذا الخصوص.
البديل، كشفت عنه الأيام الماضية: عودة لكابوس العنف الأعمى الذي يهدّد برمي العراق في المجهول. الانتخابات وصلها العراق واجتازها، بشق الأنفس. فرصة ليست يومية ولا تتكرر بسهولة. هي الآن مهددة وينبغي إنقاذها.




















