يتقدّم المسار السوريّ ـ الإسرائيليّ بخطوات حذرة، بين خطاب علنيّ أكثر وضوحاً واتّصالات سياسيّة وأمنيّة تتكشّف تباعاً. ما كان يُدار في الظلّ بات اليوم جزءاً من نقاش سياسيّ مفتوح، لكن من دون أن يصل بعدُ إلى عتبة التسوية الشاملة. فهل نحن أمام بداية تفاهم أمنيّ مرحليّ أم مسار أطول يعيد رسم العلاقة بين دمشق وتل أبيب؟
لم يعد حديث الرئيس السوريّ أحمد الشرع عن إسرائيل محصوراً بردود فعل على الغارات أو توصيف التوتّر، بل بات يعكس توجّهاً سياسيّاً واضح المعالم. الجديد في مواقفه أنّه لم يعلن سقوط مسار التفاوض، بل أشار إلى أنّه مستمرّ، وإن ببطء وصعوبة، نتيجة تمسّك إسرائيل بالبقاء في أراضٍ سوريّة. في المقابل، شدّد على جدّيّة دمشق في الوصول إلى تفاهم أمنيّ يضمن استقرار المنطقة. بهذا المعنى، لا يبدو ما صدر عنه تصريحاً عابراً، بل محطّة متقدّمة في مسار بدأ بخفض التصعيد، وتدرّج نحو البحث في ترتيبات أكثر ثباتاً.
يتقدّم المسار السوريّ ـ الإسرائيليّ بخطوات حذرة، بين خطاب علنيّ أكثر وضوحاً واتّصالات سياسيّة وأمنيّة تتكشّف تباعاً
مسار أمنيّ قبل التّسوية الشّاملة
في مقاربة الشرع، لا يظهر أيّ اندفاع نحو اتّفاق شامل وفوريّ، بل نحو مسار تدريجيّ ينطلق من الأمن قبل السياسة. في منتدى أنطاليا الدبلوماسيّ في نيسان 2026، طرح رؤية تقوم على اتّفاق أمنيّ جديد يعيد إسرائيل إلى خطوط اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، مع إمكانيّة إدخال تعديلات تضمن أمن الطرفين. ربط أيضاً أيّ تقدّم لاحق بإطلاق مفاوضات طويلة الأمد تتعلّق بالجولان، مع تأكيد رفض أيّ تنازل عن هذا الحقّ.
تعكس هذه المقاربة محاولة سوريّة للفصل بين مرحلتين: أولى أمنيّة هدفها ضبط الميدان ومنع التصعيد، وثانية سياسيّة مؤجّلة ترتبط بقضايا أكثر تعقيداً. وهي في الوقت نفسه إشارة إلى أنّ دمشق لا تعرض تطبيعاً كاملاً، بل تسعى إلى تفاهم محدود يوقف الانحدار.
لكنّ جذور هذا المسار تعود إلى ما قبل أنطاليا. في أيّار 2025، أقرّ الشرع بوجود محادثات غير مباشرة مع إسرائيل، في خطوة نقلت الملفّ من دائرة الغموض إلى الاعتراف السياسيّ. حينها، لعبت الإمارات دوراً في فتح قناة خلفيّة بين الطرفين، فخرج التواصل من إطار الرسائل غير المعلنة إلى وساطة إقليميّة منظّمة. لم يكن الهدف يومها تحقيق سلام، بل إدارة التصعيد ومنع توسّعه.
لاحقاً، ومع التحوّلات التي أعقبت سقوط نظام بشّار الأسد، انتقل الطرفان إلى مستوى أكثر تقدّماً من التواصل. في أواخر أيّار 2025، جرت اتّصالات مباشرة ركّزت على الترتيبات الأمنيّة في المناطق الحدوديّة. عكس هذا التحوّل من التواصل غير المباشر إلى اللقاءات المباشرة، ولو بحدود ضيّقة، رغبة مشتركة في تثبيت الهدوء الميدانيّ أكثر ممّا عكس سعياً إلى تسوية نهائيّة.
لم يعد حديث الرئيس السوريّ أحمد الشرع عن إسرائيل محصوراً بردود فعل على الغارات أو توصيف التوتّر، بل بات يعكس توجّهاً سياسيّاً واضح المعالم
ترافق ذلك مع رسائل طمأنة سوريّة إلى الولايات المتّحدة، تعهّدت فيها دمشق بعدم السماح بتحوّل أراضيها إلى مصدر تهديد، إلى جانب خطوات وُصفت بحسن النيّة، مثل احتجاز اثنين من كبار أعضاء “الجهاد الإسلاميّ” وإعادة مقتنيات مرتبطة بإيلي كوهين.
مع خريف 2025، تكرّست فكرة الدفع نحو اتّفاق أمنيّ محدود بضغط أميركيّ، من دون الوصول إلى معاهدة سلام. يدرك الشرع، وفق هذا المسار، أنّ أيّ تنازل مرتبط بالجولان قد يهدّد شرعيّته الداخليّة، وهو ما يضع سقفاً واضحاً لما يمكن أن تذهب إليه دمشق.
عقدة الجنوب وشروط التّوازن
في موازاة ذلك، بدأت فكرة التفاهم تدخل المجال العلنيّ بشكل أوسع. أظهرت زيارة شخصيّات أميركيّة لدمشق في منتصف 2025، وما رافقها من تصريحات عن “فرصة للسلام”، أنّ الملفّ لم يعد حكراً على القنوات الأمنيّة، بل أصبح جزءاً من النقاش السياسيّ بين العواصم المعنيّة.
جاء مطلع 2026 ليكرّس هذا المسار أكثر مع إعلان إنشاء آليّة تنسيق بين الولايات المتّحدة وسوريا وإسرائيل تشمل ملفّات الأمن والاستخبارات وخفض التصعيد، وصولاً إلى جوانب دبلوماسيّة واقتصاديّة. إلّا أنّ دمشق وضعت شرطاً أساسيّاً: لا تقدّم في القضايا الاستراتيجيّة من دون جدول زمنيّ واضح لانسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق.
إقرأ أيضاً: بين الضجيج والتفاهم: كيف يُعاد رسم موقع إيران؟
على الرغم من هذا التقدّم، يبقى الجنوب السوريّ العقدة الأبرز. تطالب إسرائيل بمنطقة منزوعة السلاح، وتؤكّد رفضها تمركز قوّات سوريّة في تلك المنطقة، فيما تسعى إلى فرض ترتيبات أمنيّة تتجاوز التعهّدات النظريّة. في المقابل، ترى دمشق أنّ هذه المطالب تمسّ بالسيادة، وتتّهم إسرائيل بمحاولة استغلال الملفّ الداخليّ، وخصوصاً الورقة الدرزيّة، لفرض وقائع جديدة.
أمّا واشنطن فتبدو في موقع الوسيط الحذر، إذ تؤكّد سعيها إلى اتّفاق دائم من دون تبنّي كامل للمواقف الإسرائيليّة، وهو ما يعكس تعقيد التوازنات في هذا الملفّ.
لم يعد السؤال ما إذا كان التواصل بين سوريا وإسرائيل قائماً، بل إلى أيّ حد يمكن أن يتحوّل إلى تفاهم أمنيّ فعليّ. المسار يتقدّم، لكنّه يصطدم بحدود واضحة: إسرائيل تريد ترتيبات عميقة داخل الجغرافيا السوريّة، ودمشق تريد انسحاباً غير مشروط. بين هذين السقفَين، يتشكّل مسار بطيء، قد يفضي إلى استقرار نسبيّ، من دون أن يصل بعدُ إلى سلام شامل.
- المجلة






















