ما جرى في عشاء مراسلي البيت الأبيض داخل فندق “واشنطن هيلتون” لم يكن خرقاً أمنيّاً عابراً. كان لحظة مكثّفة اختصرت العاصمة الأميركيّة بكلّ تناقضاتها: السلطة السياسيّة، النخبة الإعلاميّة، ومؤسّسات الحكم، كلّها في قاعة واحدة، ثمّ صوت إطلاق نار يذكّر بأنّ النظام، مهما بدا محصّناً، قابل للاهتزاز.
ليست المفارقة في الحدث فقط، بل في المكان. هنا تحديداً، نجا رونالد ريغان عام 1981 من محاولة اغتيال تحوّلت لاحقاً إلى لحظة تأسيسيّة في صورته كرئيس صلب وقادر على تحويل الخطر إلى قوّة. لا يعيد التاريخ نفسه، لكنّه يلمّح. يجد دونالد ترامب نفسه اليوم داخل هذا القوس الرمزيّ نفسه: رئيس ينجو ونظام يُختبر.
في واشنطن، لا تُطلق النار في الفراغ. كلّ رصاصة تحمل معنى… وكلّ محاولة اغتيال، حتّى لو فاشلة، تتحوّل فوراً إلى حدث سياسيّ بامتياز
ما الذي تغيّر؟
كان المشهد سريعاً، لكنّه كثيف الدلالات: إطلاق نار، استجابة أمنيّة خاطفة، إخلاء منظّم، ورسالة ضمنيّة بأنّ الدولة ما تزال تسيطر، لكن في العمق ما حصل ليس حادثة معزولة، بل هو امتداد لمناخ سياسيّ يتآكل فيه الخطّ الفاصل بين الصراع السياسيّ، الانقسام المجتمعيّ، والعنف الفرديّ.
لم تصل الولايات المتّحدة إلى مرحلة الفوضى، لكنّها أيضاً لم تعد في منطقة الاطمئنان المؤسّساتيّ التي طبعت صورتها لعقود. التكرار هو الرسالة، وحين تتكرّر التهديدات لا يصبح السؤال: من الفاعل؟ بل ما الذي تغيّر في البيئة السياسيّة؟
لا يظهر تأثير هذه الحوادث سياسيّاً في القوانين بقدر ما يظهر في المناخ:
– أوّلاً، مزيد من “تسييج السياسة”:
تعزيز الإجراءات الأمنيّة، تقليص المساحات المفتوحة، وتراجع القرب التقليديّ بين السلطة والإعلام. المفارقة أنّ الحدث وقع في مناسبة هدفها كسر هذه المسافة.
– ثانياً، تصاعد الحرب السرديّة:
كلّ طرف سيقرأ الحادثة بما يخدم روايته. أنصار ترامب سيرون فيها دليلاً على انزلاق البلاد نحو الفوضى والحاجة إلى الحزم. خصومه سيعتبرونها نتيجة مناخ استقطاب حادّ لم يعد يُضبط.
– ثالثاً، صعود ما يمكن تسميته “سياسة النجاة”:
في لحظات التهديد، يتحوّل الرئيس من فاعل سياسيّ إلى رمز، رمز للصمود، وربّما في الوعي الجماعيّ للشرعيّة. هنا تحديداً تبدأ الحسابات الانتخابيّة.
كيف سيتصرّف ترامب؟
تاريخيّاً، تمنح محاولات الاغتيال الفاشلة القادة دفعة آنيّة: تعاطفاً، التفافاً، حتّى هدنة نقديّة مؤقّتة.
استفاد ريغان من تلك اللحظة، فهل يستطيع ترامب أن يفعل الشيء نفسه؟
حمل ردّه الأوّليّ نبرة محسوبة: شكر الأجهزة الأمنيّة، إشادة بسرعة الاستجابة، ودعوة إلى التماسك. هو خطاب يوحي بالوحدة، لكنّه لا ينفصل عن بنيته السياسيّة الأعمق، ويحمل تأكيداً دائماً لكون البلاد تواجه اضطراباً، وأنّ قيادته تأتي في زمن استثنائيّ.
لكنّ المسألة ليست في الخطاب، بل في كيفيّة استثماره.
إذا اختار ترامب توسيع هذه اللحظة نحو خطاب جامع، فقد يعيد جذب شريحة من الوسط المتردّد. أمّا إذا أعاد توظيفها ضمن منطق المواجهة، فسيعزّز قاعدته ويعمّق الانقسام.
في الحالتين، لن يمرّ الحدث مرور الكرام لأنّه لم يستهدف شخصاً فقط، بل استهدف لحظة تلتقي فيها السلطة بالإعلام، وتُعرَض فيها صورة النظام أمام نفسه.
في سنة انتخابيّة، لا توجد أحداث محايدة. كلّ لحظة تُترجم سياسيّاً، وكلّ حادثة تتحوّل إلى مادّة في معركة السرديّات.
ما جرى في واشنطن قد يمنح ترامب دفعة تعاطف، لكنّه لن يكون كافياً لحسم المسار. يتأثّر الناخب الأميركيّ بالرمزيّة، لكنّه يصوّت على أساس أعمق: الاقتصاد، الحرب، الإحساس بالأمان، وثقته بأنّ النظام ما يزال قادراً على تصحيح نفسه.
إذا نجح ترامب في تثبيت صورة “الرئيس الصامد” الذي يقود في زمن الفوضى، فقد يوقف تراجع شعبيّته، وربّما يقلب الاتّجاه. أمّا إذا تحوّلت الحادثة إلى حلقة إضافيّة في مسلسل الانقسام، فستُقرأ دليلاً على أنّ البلاد تحتاج إلى تهدئة، لا إلى تصعيد.
لن تُحسم الانتخابات المقبلة برصاصة أُطلقت، بل بكيفيّة تفسير الأميركيّين لمعناها. اليوم مخصّص للإدانات وللدعوات إلى الوحدة، لكن من المؤكّد أنّ التوظيف السياسيّ سيعود عاجلاً أم آجلاً.
- أساس ميديا






















