تُعدّ الثقافة السياسية أحد المحددات العميقة لبنية النظام السياسي وأدائه، إذ لا تنشأ أنماط الحكم في فراغ، بل تتغذّى على منظومة قيمية واجتماعية تتفاعل مع التاريخ والسياق الاقتصادي والتحولات البنيوية داخل المجتمع، وهي التي تعطينا محصلة الأداء والنتيجة.
وفي الحالة السورية، تبدو إشكالية إعادة إنتاج الثقافة السياسية من القضايا المحورية من أجل بناء الدولة الحديثة، فنحن نعيش فرصة تاريخية بظل مرحلة انتقالية من سقوط نظام حكم استبدادي شمولي، ونحن نتطلع اليوم إلى ترسيخ قيم الديمقراطية ودولة القانون ومعايير الحكم الرشيد، وهذا يحتاج إعادة إنتاج ثقافة سياسية لدى المجتمع والسلطة.
تشير العديد من الأدبيات في علم السياسة إلى أن الثقافات التقليدية، حين تبقى مهيمنة دون إعادة تأطير حديث، قد تسهم في إنتاج بيئات حاضنة للسلطوية، ويظهر ذلك بوضوح من خلال غلبة الشخصنة على المأسسة، حيث يتمحور القرار حول الفرد القائد، سواء أكان شيخ عشيرة أو زعيمًا محلياً أو رجل دين، بدلًا من أن يُبنى على قواعد وإجراءات مؤسسية واضحة.
هذا النمط، حين ينتقل إلى مستوى الدولة، يؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة بوصفها امتدادًا لشخص الحاكم، لا كمنظومة قانونية قائمة بذاتها، ما يعزز من نزعات التمركز ويُضعف آليات الضبط والمساءلة، ويفتح المجال واسعًا أمام إعادة إنتاج الاستبداد.
فالزبائنية تقوم على تبادل المنافع بين السلطة والمجتمع، حيث تُمنح الامتيازات والخدمات مقابل الولاء السياسي، لا بوصفها حقوقًا متساوية للمواطنين..
ولا تقتصر المشكلة على الشخصنة، بل تمتد إلى طبيعة الولاءات التي تنظّم العلاقة بين الفرد والدولة، ففي السياقات التقليدية، تميل الولاءات الأولية -العائلية، والطائفية، والعشائرية- إلى أن تكون المحدد الأساسي للسلوك السياسي، ما يُعيد تعريف الشرعية السياسية على أساس الانتماء الاجتماعي، لا على أساس الأداء والكفاءة، وبذلك، تتحول الدولة من كيان جامع لكل مواطنيها إلى ساحة تنافس بين هويات فرعية، تسعى كل منها إلى تعظيم مكاسبها ضمن معادلة غير متكافئة، الأمر الذي يُضعف مفهوم المواطنة ويقوّض فكرة الدولة الحديثة.
في هذا السياق، يبرز أيضًا منطق الزبائنية السياسية كآلية مركزية في إعادة إنتاج هذه الثقافة، فالزبائنية تقوم على تبادل المنافع بين السلطة والمجتمع، حيث تُمنح الامتيازات والخدمات مقابل الولاء السياسي، لا بوصفها حقوقًا متساوية للمواطنين، ومع مرور الوقت، تُفضي هذه الممارسة إلى تآكل فكرة العدالة، وتحويل الحقوق العامة إلى أدوات للضبط السياسي، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، ويُرّسخ التبعية بدل المشاركة.
لقد شهدت سوريا، منذ ستينيات القرن الماضي، تحولات عميقة في بنيتها السياسية والاجتماعية، أسهمت في إعادة تشكيل الثقافة السياسية على نحو مركّب، فقد تداخلت البنى التقليدية مع بنى الدولة الحديثة في عملية يمكن وصفها بـ”ترييف الثقافة السياسية”، حيث لعبت الخلفيات الريفية والطائفية لبعض النخب العسكرية الحاكمة دورًا في إعادة صياغة المجال السياسي، هذا التداخل لم يؤدِّ إلى تحديث هذه البنى، بل غالبًا ما أعاد إنتاجها داخل مؤسسات الدولة، ما أفرغها من مضمونها الحداثي، وحوّلها إلى أدوات لإدارة التوازنات الاجتماعية بدلًا من كونها مؤسسات عامة تخدم الصالح العام.
في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن إعادة إنتاج الثقافة السياسية في سوريا مرتبطًا عضوياً بمشروع أوسع لاستعادة “المدينية السياسية”، التي لا تعني فقط البعد الجغرافي أو العمراني، بل تشير إلى منظومة من القيم والممارسات التي تقوم على العقلانية، وسيادة القانون، والمشاركة، والتعددية.. فالمدينية السياسية هي التعبير الأرقى عن الانتقال من روابط الدم والانتماء الضيق إلى روابط المواطنة والمؤسسات.
إن استعادة هذه المدينية تتطلب حزمة متكاملة من الآليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في مقدمة هذه الآليات تأتي المشاركة السياسية الفاعلة، بوصفها شرطًا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الشراكة، لا التبعية، فكلما توسعت دائرة المشاركة، تراجعت فرص احتكار السلطة، وتعزّزت ديناميات الرقابة والمساءلة.
وكما يشكّل إعلاء الهوية الوطنية على ما سواها ركيزة أساسية في هذا المسار، إذ لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل هيمنة الهويات الفرعية المتصارعة، ويتطلب ذلك إعادة صياغة خطاب وطني جامع، يُعيد الاعتبار لفكرة المواطنة بوصفها الإطار الناظم للعلاقة بين الأفراد، ويُرسّخ الانتماء إلى الدولة بدل الانتماءات الضيقة.
إلى جانب ذلك، يبرز مبدأ حياد الدولة تجاه مكوناتها كشرط ضروري لضمان الاستقرار، حيث ينبغي أن تتعامل الدولة مع جميع مواطنيها على قدم المساواة، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء الاجتماعي. وهذا الحياد لا يتحقق إلا عبر مؤسسات قوية، وقوانين واضحة، وآليات رقابة فعالة.
ولا يمكن إغفال دور التعليم في هذا السياق، إذ يُعدّ أحد أهم أدوات إعادة تشكيل الثقافة السياسية على المدى الطويل. فالتعليم القائم على التفكير النقدي، وقيم المواطنة، واحترام التعددية، يسهم في إنتاج أجيال قادرة على تجاوز الإرث التقليدي، والانخراط في بناء دولة حديثة.
يلعب البعد الاقتصادي دوراً لا يقل أهمية، حيث يُعدّ التصنيع أحد الحوامل الأساسية للمدينية السياسية، لما يتيحه من إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز استقلالية الأفراد عن شبكات الولاء التقليدية..
كما أن استعادة أدوار النقابات والأحزاب السياسية تُعدّ خطوة مركزية في هذا المسار، بوصفها روابط حداثية وسيطة بين الفرد والدولة، تُسهم في تنظيم المصالح، وتعبئة المجتمع، وتوفير قنوات سلمية للتعبير والمشاركة. فضعف هذه المؤسسات أو تغييبها يفتح المجال أمام عودة الروابط التقليدية لتملأ الفراغ، بما يعيد إنتاج الأزمة ذاتها.
ومن جهة أخرى، يلعب البعد الاقتصادي دورًا لا يقل أهمية، حيث يُعدّ التصنيع أحد الحوامل الأساسية للمدينية السياسية، لما يتيحه من إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز استقلالية الأفراد عن شبكات الولاء التقليدية، فكلما تطور الاقتصاد الإنتاجي، تراجعت الحاجة إلى الزبائنية، وتعزّزت فرص بناء مواطنة مستقلة.
وأخيرًا، لا بد من تعزيز آليات الرقابة الاجتماعية على السلطة، سواء عبر الإعلام الحر، أو المجتمع المدني، أو المؤسسات الرقابية، بما يضمن عدم انحراف السلطة، ويُرسّخ مبدأ المساءلة كجزء من الثقافة السياسية العامة.
خلاصة القول، إن إعادة إنتاج الثقافة السياسية السورية لا يمكن أن تتم بمعزل عن مشروع شامل لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس حديثة. فالمشكلة ليست في البنى التقليدية بحد ذاتها، بل في استمرارها كبديل عن المؤسسات، وفي عجز الدولة عن دمجها ضمن إطار قانوني حديث. ومن هنا، فإن استعادة المدينية السياسية تمثل مدخلًا استراتيجيًا للخروج من الحلقة المفرغة للسلطوية، نحو أفق دولة المواطنة والقانون، حيث تُبنى الشرعية على الأداء، وتُمارس السلطة ضمن حدود المؤسسات، ويُعاد الاعتبار للإنسان بوصفه مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا ضمن شبكة ولاءات.
- تلفزيون سوريا






















