منذ نشب النزاع السوري في العام 2011 تحولت البلاد من ساحة مستقرة سياسياً وميدانياً إلى ساحة صراع غير تقليدي بين أطراف وقوى محلية وإقليمية ودولية تتقاطع فيها وعبرها أنماط متشعبة من السياسات المرتبطة بأشكال الحكم والإدارة التي مرّت عليها تتابعاً أو تقاطعاً في سياق أشكال رسمية وأخرى غير رسمية، شرعية وغير شرعية، إيدولوجية وأخرى بحكم الأمر الواقع، وفي كلّ الأحوال ارتبطت تلك التبدلات بتبدل موازين القوى المحيطة على الدوام.
ذلك التشعب الملفت لم يكن مبنياً على عدد اللاعبين فقط، بل ارتبط بطبيعة الخارطة التي كانت تتجزأ يوماً بعد آخر، فالمركز السيادي نفسه فقد السيطرة على الأطراف، وعلى الأطراف نمت قوىً ذات فاعلية أرخت بثقلها على المشهد العام كاملاً، وبالتالي بات احتكار السلطة أو حتى إعادة تعريفها أمراً مستحيلاً ضمن جغرافية متحدة، وهو وضع ما زال قائماً حتّى بعد سقوط النظام السابق.
إعادة تعريف الدور
لم يكن من المستبعد في هذا السياق المتداخل أن يكون ما يسمى “نموذج الحكم بالوكالة” هو أحد أشكال إدارة الصراع، ومن خلاله تتحكم قوى ذات نفوذ بخلق فضاءات أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية توائم توجهاتها من خلال دعم مشروط لجماعات متباينة على الأرض.
يقول الأكاديمي في القانون بشر حسّان: “من البديهي أنّ الوقت هنا يلعب دوراً في صالح هذا التشعب الذي لا يخدم سيادة مركزية الدولة، فيحاصرها بأدوات تسعى لتنفيذ أجندات منفصلة، وبالتالي يخلق مراكز قوى مستقلة، وهذه القوة تتيح لكل جهة إعادة تعريف دورها وحدود قوتها ونفوذها ويصبح نموذج الحكم بالوكالة صيغة ملفتة في سهولة تحركه نحو إنتاج توازنات فوق وطنية وفوق دستورية نحو خلاصة مفادها ليس المهم من يحكم بل من يتحكم”.
الاقتصاد كمعمل تجارب
يرى الأستاذ الجامعي في الاقتصاد أحمد جندلي أنّ “طبيعة تباين توزع القوى وتشعبها على الأرض ينعكس بشكل أصلي على الملف الاقتصادي الذي خرج من عباءة المنظومة القانونية الواحدة والجامعة، فالقانون الذي ينطبق في منطقة لا ينطبق في أخرى، ما يعني أنّ لكلّ منطقة الآن بشكل أو بآخر صيغها الخاصة في تعريف الدورة الاقتصادية للحياة اليومية من خلال أنشطة معنية بها”.
ويتابع: “تقادم الوقت حوّل مسارات البدائل إلى رواسخ تحضر في الممارسات الفعلية وفق منطق العرف لا القانون، وتالياً، صار نمط الاقتصاد الموازي رديفاً وليس هامشاً على فصول الاقتصاد التقليدي بطبقاته التعريفية التي تتراوح ما بين الاشتراكية والرأسمالية والسوق الحر والبرجوازية الوطنية”.
هذا التجريب الاقتصادي خلق معملاً اختبارياً للتجارب الاقتصادية الوليدة خارج العباءة الكلاسيكية حيث تصير التجارة مع الصناعة عوامل محكومة بضوابط غير منتظمة أساساً وتتداخل فيها شبكات محلية وإقليمية، وبالضرورة يصبح الاقتصاد هنا مركّباً بين ما هو مسموح وما هو ممنوع ليصير ذا بنية مزدوجة، علنية ومخفية، وهو ما يجعله ساحة اختبار حذرة للاستمرار والتكيّف والاكتفاء.
إدارة الميدان
إضافة إلى الأدوار التي تم توزيعها في الميدان، وفصول البحث عن الاقتصاد المناطقي الملائم، يبرز الدور في إدارة الميدان بعيداً عن العسكرة المنظمة بتوصيفها الأكاديمي الدقيق لتكون جزءاً من تنظيم شكل الحياة العامة وضبط الإيقاع المجتمعي، وبالضرورة الدمج ما بين الأدوار القتالية والمجتمعية.
ويرى الخبير الأمني موفق الحكيم أنّ “التوليفة العسكرية السورية اليوم بوزارتي الدفاع والداخلية ليس دورها جبهوياً فقط ومرتبطاً بخطوط التماس، بل هي عنصر فاعل داخل المجتمع نفسه، وفي هذا تحقيق لهدف إنتاج نموذج سلطوي مختلف ومتقدم يسعى لإعادة تعريف المنظومة العسكرية نفسها من عدو إلى شريك”.
ويضيف: “انقضت المرحلة التي كانت فيها العسكرة وليدة مرحلة صراع فقط، الرئيس نفسه أشار أنّ الثورة انتهت، لذلك العسكريون اليوم يعيدون إنتاج طبقات التوازن المحلية وفق صيغة إدارة قد تفشل أو تنجح تبعاً للبيئة المنوط بهم العمل خلالها، فما نجح في دمشق لم ينجح في السويداء مثلاً، وبالتالي السلطة تواجه النفوذ الذي تحظى به جماعات أخرى على حساب المركز، ضمن حسابات دولية وإقليمية داخل الجغرافية السورية، وكلّ ذلك ينسحب على الشكل الاقتصادي العام الذي لا يقلّ تأثيراً حين يندمج مع ما سبق ليجعل من سوريا مختبر سياساتٍ دولية”.
حقل الألغام
يرى سياسيون أنّ السلطة الجديدة لم تتمكن من إيجاد نمط حكم مركزي مستقر، وأنّ أنماط الحكم بكلّ فصولها تختلف من منطقة إلى أخرى، وهذا ما يعكس تباين قوة القوى المسيطرة على الأرض وقوة أدواتها واعتمادها على حلفائها الخارجيين في وجه دمشق.
يقول الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع منصور بيّاض لـِ “المدن”: “إنّ السلطة حتّى الآن لم تنجح في خلق بيئة موائمة لمشروع استقرار سياسي شامل، إذ لم تنجح في وضع دستور مناسب، وهو ما دفعها لقيادة المركب بالموثوقين من هيئة تحرير الشام، وفي ذلك ضمانةٌ تجانسية لها، لكنّ تلك الضمانة منفّرة لخصومها المحليين، وهذا ما يجعل طبيعة التوازنات بعمومها هشّة لاعتمادها على أنماط متغيرة من الولاء والرأي، وهنا لن يكون هناك فوضى مطلقة، لكنّه قفز فوق المشاكل ودفعها إلى الأمام بدلاً من حلّها”.
ويكمل: “في الواقع الراهن هناك مجموعات مترابطة بعيدة عن المركز أنتجت بدورها مختبرات كثيرة لتجريب أنماط أدوات حكم وإدارات مختلفة، وهذا بطبيعة الحال يخلق تشظياً جماعياً سيظلّ مستمراً إلى أن تتوحد المكونات السورية على رأي واحد محمول على عقد اجتماعي ناضج”.
ملفات متشابكة
رغم تعقيد المشهد السوري لكن لا يمكن بحسب مطلعين تحميل الداخل وحده مسؤولية هذه التراكمات، فالديناميات الداخلية لا يمكن أن تنتج مهما تطورت هذا الانقسام في الرأي، وفي هذا الحال يكون واضحاً مدى التغلغل الإقليمي والدولي في سياق طبقات تختبر من خلالها حلفاءً أو مجموعات يمكن من خلالها تنفيذ مشاريع مؤقتة أو متوسطة الأمد، وفي الحالين ستعكس تلك المجموعات تجارب تؤخذ بعين الاعتبار وفق المنطق التجريبي.
الباحث في شؤون الأمن القومي هاشم السباعي يقول لـِ “المدن”: “إتاحة وجود تلك الجماعات القوية يسمح لداعميها باختبار تأثيرها دون الحاجة للتواجد المباشر بشكل مؤسساتي أو معلن، فتصير الفواعل المحلية ذات تبعية مرتبطة بمنظومات متسعة يتم من خلالها تجريب إدارة صراع أو استقرار ضمن وسائل أكثر عصرية في بيئات مضطربة أساساً، وكان هذا واضحاً سابقاً في العراق، اليوم سوريا هي مساحة التقاطع الاستراتيجي لقوىً متعددة من دون أن تضطر للظهور المباشر، وهذا ما يتيح لها إعادة رسم السياسة وتجريب توازنات جديدة سواء بهدف أبحاث تستند إلى مواطن الارتكاز العملي المباشر أو من أجل الاحتفاظ بقوة الضغط داخل البلد المستهدف”.
لماذا لا يتوقف الاختبار؟
أوضح سياسيون عدّة حادثهم “المدن” أنّ استمرار هذه المشهدية المتداخلة في التجريب ما بين الاقتصاد والسياسية والميدان والحكم والإدارة والأمن لا زالت مرتبطة بعدم إيجاد صيغة نهائية معتمدة يجري البحث عنها، ويعود ذلك لاختلاف رؤى اللاعبين الفاعلين على الساحة السورية، فمثلاً إسرائيل رغم تحالفها الوثيق مع الأميركيين لكنّ التطابق بينهما منقوص في الواقع السوري، وكان ذلك واضحاً في ملف معارك الأكراد والسلطة، ومعارك السويداء والسلطة.
يقول دكتور الفلسفة السياسية رشيد الخطيب إنّه “ليس هناك لحظة حاسمة لنهاية الافتراق الواقع ذلكَ لأنّ الدول المعنية بسوريا لا زالت تملك بنوك أهداف واسعة تتجدد مع أي تغير محيط، حتّى أنّ حرب إيران أعادت الحسابات في سوريا، وما دامت هناك تغيّرات فإنّ التجربة لن تنتهي على استقرار بل سيظلّ العنوان هو إعادة الضبط والإنتاج، المهم ليس فقط ما يختبر في سوريا، بل لماذا هو مستمر، وهذا الاستمرار هو نتاج اعتبار سوريا مختبراً مفتوحاً يجب عدم إغلاقه الآن”.
- المدن


























