ملخص
ربما يكون تأخير إيران ردها على المقترحات الأميركية يهدف إلى انتظار نتائج القمة الأميركية- الصينية وما يمكن للصينيين أن يقترحوه، لكنه انتظار لن يغير كثيراً في مسارات حتمية تفرضها وقائع الأمور في أعقاب تجربة شهرين ونصف الشهر من الحروب والمفاوضات.
كان يفترض أن تتم زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين في نهاية مارس (آذار) الماضي، لكنها تأجلت إلى منتصف الشهر الجاري بسبب اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية- الإيرانية ثم دخولها في هدنة لا يعرف إلى متى ستستمر.
ربما كان ترمب يعتقد عندما أمر قواته ببدء الضربات على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، تزامناً مع الهجمات الإسرائيلية، بأن الحرب لن تطول، وإنما ستحسم بسرعة على الطريقة الفنزويلية بما يسمح له القيام بتلك الزيارة، مستفيداً من ضربة وجهها إلى نظام يقيم علاقات متينة مع بكين وتبادله الصين الاهتمام والتعاطف. وربما كان يعتقد أيضاً بأن تغييراً في رأس النظام الإيراني سيتيح له التحكم بمخزون نفط تعتمد عليه بكين في اقتصادها، مما يجعله في موقع جيوسياسي أقوى، لكن ذلك لم يحصل، فدُمرت إيران وقتل قادتها لكن النظام بقي متماسكاً وجعل من إغلاق مضيق هرمز “سلاحه النووي الأهم”، وبدلاً من أن يكون النفط سلاح ترمب في المواجهة مع الصين، بات سلاح إيران في مواجهة العالم، بما في ذلك الصين نفسها.
كان ترمب زار الصين عام 2017 خلال ولايته الأولى وبعدها بقليل أطلق ما يعرف بـ”حرب التعريفات الجمركية” ضدها، وهي حرب متبادلة استمرت خلال عهد الرئيس جو بايدن. وفي بداية ولايته الجديدة التقى ترمب الزعيم الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية وكال له المديح واتفقا على لقاء جديد على رغم التوترات الاقتصادية الحادة بينهما.
لم تسفر تلك التوترات عن تغييرات سياسية جذرية في الموقف الصيني الرسمي من السياسات الأميركية تجاه أزمات دولية دخلت فيها الولايات المتحدة. فبكين، على رغم علاقاتها المتينة مع روسيا بقيت على مسافة من حرب موسكو في أوكرانيا، وقدمت مبادرة سياسية حول السلام في هذا البلد تقوم على أسس القانون الدولي واحترام سيادة الدول. وفي شأن حرب غزة والقضية الفلسطينية، وازنت بين علاقتها بإسرائيل ومبادئ الشرعية الدولية في خصوص الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وهي على رغم تطور علاقاتها مع إيران خلال الأعوام الأخيرة حافظت على علاقات متينة مع المجموعة الخليجية العربية، وتبنت الموقف العربي في خصوص أمن الخليج والجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران، مما أثار غضب طهران التي على رغم ذلك استجابت للوساطة الصينية في توقيع اتفاق بكين مع السعودية عام 2023.
ولم يبخل ترمب يوماً في الثناء على الزعيم الصيني، وقبل زيارته المقررة هذا الأسبوع قال إنه سيناقش الحرب الإيرانية معه “سيكون هذا أحد المواضيع، لكنه كان لطيفاً جداً حول هذا الأمر”، هكذا قال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض رداً على سؤال حول ما يأمل تحقيقه مع شي جينبينغ بالنسبة إلى إيران عندما يلتقيان.
وأضاف الرئيس “لقد كان محترماً للغاية، لم نواجه أي تحدٍّ من الصين”، على رغم اعترافه بأن بكين مستورد رئيس للنفط الإيراني الذي تعطلت إمداداته بسبب الحرب. وتابع ترمب قائلاً “إنهم لا يتحدوننا، هو لن يفعل ذلك، لا أعتقد بأنه سيفعل ذلك بسببي، لكنني أعتقد بأنه كان محترماً للغاية”.
حاول ترمب أن يذهب إلى بكين وهو رجل سلام. وأصر على مذكرة تفاهم مع إيران قبل سفره، لكن إيران لم تبدُ مستعجلة على إعطائه مثل هذه الورقة قبل الزيارة، ربما بانتظار معرفة موقف “الحليف” الصيني. وحدد ترمب موعداً في واشنطن خلال يومي رحلته الصينية لمفاوضات لبنانية- إسرائيلية، أحد أهدافها الكشف عن الموقف الإيراني الرافض لاستعادة السلام في لبنان والإصرار على مواصلة الحرب التدميرية بين” حزب الله” وإسرائيل التي تسفر عن احتلال مزيد من الأراضي اللبنانية وجرف قراها ومنازلها. وعلى الجبهة الأوكرانية، قدم الرئيس الأميركي عرضه في شأن هدنة الأيام الثلاثة وتبادل ألفي سجين بين روسيا وأوكرانيا، فيما يحرص الجانبان في موسكو وكييف على مواصلته دوره في مبادرته لإنهاء الحرب.
سيقدم ترمب نفسه رجلاً ساعياً إلى السلام أمام مستضيفه الصيني، ويعرض عليه ضرورة إسهامه في استعادة أمن طرق النفط في مضيق هرمز وخطوط الإمداد العالمية، ويشرح ما تراه الولايات المتحدة من خطر تمثله السياسات الإيرانية، مستنداً إلى “استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية 2026” الوثيقة التي تعتبر إيران التهديد الأكبر لأميركا الذي “ينطلق من الشرق الأوسط عبر القدرات النووية والصاروخية، وعبر مليارات الدولارات التي تنقل إلى القوات الوكيلة الإرهابية بما في ذلك ’حزب الله‘ والحوثيون”.
لقد وجدت الحروب التجارية بين الصين وأميركا حلولاً وتسويات فرضتها قوانين العلاقات وحاجات الأسواق. ولم تعُد هي في الواجهة بعد عقد من إطلاقها، لكن الحاجة إلى النفط وضمان طرق الإمداد العالمية باتت في طليعة المشكلات التي تحتاج إلى حل، وعلى الأرجح ستكون هذه المسألة نقطة أولى في جدول أعمال القمة الصينية- الأميركية، وجوهرها تأمين مضيق هرمز ودور الصين المفترض خلال المرحلة اللاحقة. ولهذا السبب ربما يكون تأخير إيران ردها على المقترحات الأميركية يهدف إلى انتظار نتائج القمة وما يمكن للصينيين أن يقترحوه، لكنه انتظار لن يغير كثيراً في مسارات حتمية تفرضها وقائع الأمور في أعقاب تجربة شهرين ونصف الشهر من الحروب والمفاوضات، وفي رأس هذه الوقائع أنه لا يمكن بعد اليوم القبول بنظام إيراني يهدد جيرانه، خصوصاً في الخليج بالدمار، ويفرض بلطجة على حركة التجارة العالمية، وإمدادات النفط من الخليج العربي التي يتسبب نقصانها بأزمات اقتصادية على امتداد العالم.
- إندبندنت



























