لم يعد الحديث عن اتّفاق أمنيّ بين سوريا وإسرائيل تسريباً عابراً أو فكرة تدور في كواليس الوسطاء. خلال الأشهر الماضية، خرج الملفّ من التداول الدبلوماسيّ المغلق إلى تصريحات سوريّة علنيّة، وتقارير غربيّة وإسرائيليّة تحدّثت عن خرائط ومناطق منزوعة السلاح وآليّات مراقبة وموقع استراتيجيّ لا تريد إسرائيل التخلّي عنه بسهولة: جبل الشيخ.
بحسب مصدر مطّلع لـ”أساس”، لا يشبه هذا المسار، حتّى الآن، مسار سلام كامل. ما يجري البحث فيه أقرب إلى تفاهم أمنيّ طويل المدى، يهدف إلى ضبط الجنوب السوريّ، ومنع الاحتكاك المباشر، وإعادة ترتيب قواعد الاشتباك بين دمشق وتل أبيب، في مرحلة إقليميّة تتبدّل فيها الأولويّات وحدود القوّة.
لكنّ أهميّة هذا المسار لا تقف عند الحدود السوريّة–الإسرائيليّة، فالجنوب بات جزءاً من معادلة أوسع تتّصل بصورة سوريا الجديدة خارجيّاً، وبمحاولة دمشق تثبيت نفسها شريكاً قابلاً للتعامل في الملفّات الأمنيّة والاقتصاديّة. من هنا، لا يمكن فصل النقاش في الاتّفاق الأمنيّ عن الحراك الدوليّ الأخير تجاه سوريا، بما في ذلك مشاركتها في جلسة مغلقة مع وزراء ماليّة وحكّام مصارف مركزيّة من مجموعة السبع في باريس، في إشارة إلى أنّ إعادة إدماجها في النظامين الإقليميّ والدوليّ تمرّ أيضاً عبر بوّابة الاستقرار الأمنيّ.
لا تبدو سوريا وإسرائيل ذاهبتين إلى سلام شامل. لكنّهما تقتربان من واقع جديد قد يكون أكثر تأثيراً من الاتّفاق المعلن: حدود تُدار بقواعد مختلفة، مواقع استراتيجيّة تُثبَّت، ونفوذ يُرسم تحت عنوان منع التصعيد
اتّفاق قديم
في خلفيّة كلّ ما يُطرح اليوم، يحضر اتّفاق فصل القوّات لعام 1974، الذي شكّل لعقود الإطار الأمنيّ الفاصل بين سوريا وإسرائيل في الجولان. غير أنّ الوقائع التي أعقبت سقوط النظام السابق، وما رافقها من تحرّكات إسرائيليّة في المنطقة العازلة ومحيطها، أعادت طرح السؤال: هل يجري ترميم الاتّفاق القديم أم إنتاج صيغة أمنيّة جديدة تحت عنوان إحيائه؟
في هذا السياق، جاء كلام مدير إدارة الشؤون العربيّة في وزارة الخارجيّة السوريّة محمّد الأحمد ليمنح الملفّ بعداً أوضح. تحدّث الأحمد عن وساطة أميركيّة مستمرّة للتوصّل إلى اتّفاق أمنيّ بين سوريا وإسرائيل، وأشار إلى أنّ التواصل أفضى سابقاً إلى إعداد مسوّدة اتّفاق، قبل تعثّر المسار بسبب ما وصفه بمشكلة فنّيّة مرتبطة بتغيير رئيس الفريق المفاوض لدى الجانب الإسرائيليّ.
بحسب المصدر، لا يعني ذلك أنّ الاتّفاق أُعلن، لكنّه يؤكّد أنّ النقاش تجاوز مرحلة الأفكار العامّة إلى مرحلة المسوّدات والتفاصيل. فيما تتمسّك دمشق، في خطابها العلنيّ، بالعودة إلى اتّفاق فضّ الاشتباك، بما يشمل وقف الغارات والتوغّلات والانسحاب من المناطق التي دخلتها إسرائيل، تبدو تل أبيب كأنّها تسعى إلى ما هو أبعد: ترتيبات أوسع، ومنطقة أكثر تقييداً بالمعنى العسكريّ، وضمانات طويلة الأمد في الجنوب السوريّ.
عقدة الجبل
في قلب هذه الترتيبات يحضر جبل الشيخ. ليس الموقع تفصيلاً جغرافيّاً، بل نقطة مراقبة استراتيجيّة. لذلك تتعامل إسرائيل مع هذا الارتفاع بوصفه ورقة أمنيّة لا تريد خسارتها بسهولة، خصوصاً في ظلّ مرحلة انتقاليّة سوريّة لم تكتمل ملامحها بعد.
ذهبت التسريبات المتداولة إلى الحديث عن ترتيبات خاصّة بجبل الشيخ تشمل انسحاباً إسرائيليّاً من بعض النقاط، مقابل الإبقاء على نقاط أخرى تحت السيطرة الإسرائيليّة، لا سيّما القمّة، مع طرح صيغ زمنيّة طويلة الأمد لم يتأكّد مضمونها رسميّاً. لذلك يبقى التعامل بحذر، بحسب المعطيات، مع هذه التفاصيل ضروريّاً. إذ تكشف اتّجاه التفكير، لكنّها لا تصلح أن تكون وقائع نهائيّة قبل صدور نصّ معلن أو تأكيد رسميّ.
هنا تظهر المفارقة السوريّة، كما يشرح المصدر: الرئيس أحمد الشرع لا يتعامل مع إسرائيل من موقع الثقة، بل سبق أن عبّر عن عدم ثقته بها. لكنّ غياب الثقة لا يلغي، في حسابات المرحلة، الحاجة إلى تفاهم أمنيّ يخفّف احتمالات الانفجار في الجنوب. بهذا المعنى، لا يبدو الاتّفاق المطروح خياراً سياسيّاً مريحاً لدمشق بقدر ما يبدو ممرّاً اضطراريّاً لتثبيت الهدوء ومنع تحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف.
جنوب معقّد
يشرح مصدر في دمشق لـ”أساس” أنّ الجنوب السوريّ ليس كتلة واحدة. في درعا ذاكرة طويلة من التوتّر مع السلطة المركزيّة. في القنيطرة حساسيّة مباشرة مع خطّ الفصل والجولان. أمّا السويداء فتضيف طبقة أخرى من التعقيد بسبب خصوصيّتها الاجتماعيّة والسياسيّة، وموقعها القريب من الحدود الأردنيّة وخطوط التهريب والتوتّر.
لا يقتصر النقاش على انتشار الجيش أو السلاح الثقيل في القنيطرة ودرعا وريف درعا، بل يتوسّع إلى ترتيبات محليّة في السويداء، بينها صيغ تتعلّق بالقوى الأمنيّة المحليّة وعلاقتها بمؤسّسات الدولة.
يُطرح في هذا السياق احتمال منح السويداء نوعاً من اللامركزيّة الإداريّة، بصيغة تُشبه من حيث المبدأ ما طُبّق في الحسكة والقامشلي. لا يعني ذلك، وفق المعطيات نفسها، خروج المحافظة عن سقف الدولة أو تكريس صيغة انفصاليّة، بل البحث في هامش إداريّ محلّيّ أوسع يراعي خصوصيّة السويداء، ويخفّف احتكاكها بالمركز، ضمن ترتيبات تطاول الأمن والإدارة معاً.
في حالة السويداء، قد تكون اللامركزيّة الإداريّة جزءاً من محاولة احتواء الهواجس المحليّة، ومنع تحويل الخصوصيّة الدرزيّة إلى ورقة ضغط إسرائيليّة دائمة على دمشق. لذلك يؤكّد المصدر أنّ أيّ اتّفاق أمنيّ محتمل لن يكون بنداً تقنيّاً عن انتشار قوّات أو سحب أسلحة، بل محاولة لإعادة ضبط منطقة مترابطة: حدود مع إسرائيل، حدود مع الأردن، قوى محليّة، هواجس درزيّة، شبكات تهريب، وحسابات تتداخل فيها واشنطن وتل أبيب وعمّان ودمشق.
حسابات متقابلة
تبدو المطالب الأساسيّة واضحة إسرائيليّاً في عناوينها الكبرى: منطقة عازلة أو منزوعة السلاح قرب الجولان، تقييد انتشار السلاح الثقيل في الجنوب، منع تمركز قوى غير مرغوب بها قرب الحدود، وضمان آليّات مراقبة فعّالة.
في المقابل، تفضّل دمشق توصيف ما يجري بأنّه “ترتيبات أمنيّة” أو “ضمانات ميدانيّة” لا اتّفاق سلام ولا تطبيع سياسيّ. في هذا الإطار، جاء كلام وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لافتاً، إذ تحدّث عن سعي دمشق إلى اتّفاق أمنيّ يضمن الاستقرار ويحترم السيادة، مع رفض مسار التطبيع. تختصر هذه اللغة التوازن السوريّ الصعب: الانفتاح على تهدئة أمنيّة، من دون الانتقال إلى سلام سياسيّ كامل.
تراهن دمشق في هذا المسار على دور أميركيّ ضاغط على إسرائيل، لا سيما عبر مبعوثها توم برّاك، لدفع تل أبيب إلى تخفيف شروطها والوصول إلى صيغة يمكن أن يقبل بها الطرفان. لا تريد واشنطن، وفق هذه المقاربة، اتّفاقاً يُفجّر الداخل السوريّ أو يُظهر دمشق في موقع الخضوع، لكنّها في الوقت نفسه تسعى إلى تقديم ضمانات كافية لإسرائيل كي لا يبقى الجنوب مصدر توتّر مفتوح.
لا يقتصر النقاش على انتشار الجيش أو السلاح الثقيل في القنيطرة ودرعا وريف درعا، بل يتوسّع إلى ترتيبات محليّة في السويداء، بينها صيغ تتعلّق بالقوى الأمنيّة المحليّة وعلاقتها بمؤسّسات الدولة
مجموعة السّبع: البعد الآخر
يتقاطع هذا المسار الأمنيّ مع مسار دوليّ أوسع، إذ شكّلت مشاركة سوريا في جلسة مغلقة مع مجموعة السبع في باريس إشارة إلى تبدّل موقع دمشق وإلى وجود نقاش غربيّ في تعافي سوريا الاقتصاديّ وإعادة وصلها بالنظام الماليّ العالميّ.
لا ينفصل ذلك عن خطوات أوروبيّة موازية، بينها تمديد العقوبات على شبكات مرتبطة بالنظام السابق، مقابل شطب كيانات سوريّة رسميّة، منها وزارتا الدفاع والداخليّة، من لوائح العقوبات، ضمن مقاربة أوروبيّة لدعم الانتقال والتعافي.
لذلك لا تبدو مجموعة السبع تفصيلاً منفصلاً عن الاتّفاق الأمنيّ، فكلّما اقتربت دمشق من تفاهم يخفّف التوتّر في الجنوب، ازدادت قدرتها على تقديم نفسها شريكاً في الاستقرار.
حتّى الآن، لا تبدو سوريا وإسرائيل ذاهبتين إلى سلام شامل. لكنّهما تقتربان من واقع جديد قد يكون أكثر تأثيراً من الاتّفاق المعلن: حدود تُدار بقواعد مختلفة، مواقع استراتيجيّة تُثبَّت، ونفوذ يُرسم تحت عنوان منع التصعيد.
- أساس ميديا
























