في الذكرى التاسعة والخمسين لنكسة حزيران 1967، يعود ملف الجولان السوري المحتل إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر ملفات الصراع العربي الإسرائيلي تأثيراً واستمرارية، فالحرب التي انتهت باحتلال إسرائيل لمعظم هضبة الجولان لم تقتصر آثارها على تغيير خطوط السيطرة العسكرية، بل أسست لواقع جغرافي وسياسي ما زالت تداعياته تتفاعل حتى اليوم.
وبعد نحو ستة عقود على النكسة، تشهد المنطقة الحدودية في الجنوب السوري أكبر تحول ميداني منذ توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وسّعت إسرائيل نطاق وجودها العسكري خارج المنطقة العازلة، وسيطرت على مواقع استراتيجية داخل الأراضي السورية، في خطوة أعادت رسم المشهد الحدودي في الجنوب.
الجولان.. بداية التحول
عندما احتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان خلال حرب حزيران 1967، لم يكن الأمر مجرد مكسب عسكري أو جغرافي. وتشير دراسات توثيقية حول الجولان، بينها أبحاث منشورة في موقع ميسلون ومرصد الجولان السوري، إلى أن الحرب أدت إلى تهجير عشرات آلاف السوريين وتدمير مئات التجمعات السكانية والقرى في الهضبة، ما أحدث تغييراً عميقاً في بنيتها السكانية والعمرانية.
وتظهر وثائق تاريخية جمعها معهد “عكيفوت” الإسرائيلي، استناداً إلى أرشيفات وتقارير دولية، أن تثبيت السيطرة على الجولان شكّل أولوية مبكرة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، التي تعاملت مع الهضبة باعتبارها عمقاً أمنياً واستراتيجياً بالغ الأهمية.
ومع مرور السنوات، تحوّل الجولان إلى إحدى أهم ركائز العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مستفيداً من موقعه المطل على جنوب سوريا وشمال فلسطين المحتلة، ومن موارده المائية ومرتفعاته التي تمنح أفضلية عسكرية واستخباراتية واسعة.
اتفاقية 1974.. نصف قرن من الهدوء الحذر
أعادت حرب تشرين الأول 1973 الجولان إلى واجهة الصراع، لكنها انتهت بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل في أيار 1974 برعاية أميركية.
وبحسب وثائق الأمم المتحدة ومركز “سجل” السوري وموسوعة الجزيرة، أسست الاتفاقية لمنطقة فصل تشرف عليها قوات الأمم المتحدة (UNDOF)، وحددت خطوط انتشار للقوات السورية والإسرائيلية عُرفت بخطي “ألفا” و”برافو”.
وعلى مدى نحو خمسين عاماً، حافظت الجبهة السورية -الإسرائيلية على هدوء نسبي مقارنة ببقية الجبهات العربية، فيما واصلت إسرائيل تعزيز وجودها في الجولان المحتل، الذي أعلنت ضمه عام 1981 في خطوة لم تحظ باعتراف دولي.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.
الثورة السورية وتآكل معادلة فض الاشتباك
أدت الحرب في سوريا إلى إعادة انتشار قوات الأسد بعيداً عن جبهة الجولان، ما خلق فراغاً أمنياً متزايداً في الجنوب، وفق توثيقات مركز “سجل”.
وفي السنوات اللاحقة، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس بين فصائل الثورة وقوات النظام وحلفائها الإيرانيين، بينما كثفت إسرائيل ضرباتها الجوية ضمن ما عُرف بسياسة “الحرب بين الحروب” لمنع ترسخ النفوذ الإيراني قرب حدودها.
ويرى باحثون أن أحد المؤشرات المبكرة على تراجع فعالية اتفاقية 1974 تمثل في مشروع “سوفا 53”، الذي بدأت إسرائيل تنفيذه عام 2022 داخل أجزاء من المنطقة العازلة.
ووفق تحقيقات نشرها موقع “تلفزيون سوريا”، شمل المشروع إنشاء طرق عسكرية وخنادق وسواتر ترابية عززت الوجود الإسرائيلي على الأرض قبل سنوات من سقوط النظام.
سقوط الأسد والتغيير الأكبر منذ 1967
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 نقطة تحول جديدة في الجنوب السوري. فبحسب تقارير مركز كرم شعار ومركز “سجل” وشبكة CNN، انسحبت قوات الأسد من مواقعها في القنيطرة ودرعا، ما خلق فراغاً عسكرياً سارعت إسرائيل إلى استغلاله.
وأعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو آنذاك أن اتفاقية فض الاشتباك لم تعد قابلة للتطبيق عملياً بعد انسحاب جيش النظام المخلوع من مواقع التماس، قبل أن تدفع إسرائيل بقواتها إلى المنطقة العازلة وعدد من المرتفعات الاستراتيجية.
وتزامن ذلك مع حملة جوية واسعة استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية سورية. وتشير تقديرات نشرها مركز كرم شعار إلى أن عدد الضربات الإسرائيلية تجاوز ألف غارة خلال العام الأول بعد سقوط النظام، مستهدفة مستودعات أسلحة ومنظومات دفاع جوي ومقار عسكرية.
من الجولان إلى عمق الجنوب السوري
إذا كان احتلال الجولان عام 1967 قد منح إسرائيل موطئ قدم استراتيجياً على الجبهة السورية، فإن التطورات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 وسّعت نطاق حضورها الميداني إلى ما هو أبعد من خطوط الفصل التقليدية التي أرستها اتفاقية فض الاشتباك عام 1974.
وتشير دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية إلى أن إسرائيل انتقلت من سياسة الردع والاحتواء على حدود الجولان إلى فرض واقع أمني جديد في الجنوب السوري، مستفيدة من الفراغ العسكري والتحولات السياسية التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام.
كما تُظهر خرائط وتحقيقات ميدانية أن الجيش الإسرائيلي أنشأ شبكة من القواعد والنقاط العسكرية تمتد من جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً، مع تعزيز حضوره في عدد من المواقع الاستراتيجية المشرفة على ريفي القنيطرة ودرعا.
وتكتسب هذه المواقع أهمية خاصة لسيطرتها على المرتفعات الحاكمة ومصادر المياه والطرق الحيوية، فضلاً عن دورها في المراقبة وجمع المعلومات وإدارة العمليات العسكرية على امتداد الجبهة الجنوبية.
وتشير بيانات مشروع ACLED وتحقيقات صحفية إلى أن التحركات الإسرائيلية لم تقتصر على المنطقة العازلة السابقة، بل شملت مئات التوغلات البرية داخل الأراضي السورية منذ نهاية عام 2024. ووصلت بعض هذه التحركات إلى مناطق في ريف دمشق الغربي، بالتوازي مع نشاط ميداني في أرياف القنيطرة ودرعا والسويداء، في مؤشر على اتساع نطاق الحضور الإسرائيلي مقارنة بما كان عليه خلال العقود التي أعقبت توقيع اتفاقية فض الاشتباك.
التأثير على السكان والبيئة
لم تقتصر آثار التوسع العسكري الإسرائيلي على الجانب الأمني، فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومصادر ميدانية محلية، تعرضت مناطق في القنيطرة وريف دمشق الغربي لأعمال تجريف وهدم طالت منازل وأراضي زراعية ومناطق حرجية.
كما واجه المزارعون والرعاة قيوداً متزايدة على الوصول إلى أراضيهم القريبة من خطوط التماس، ما انعكس على مصادر الدخل في المنطقة، بينما وثقت تقارير محلية أضراراً بيئية نتيجة إزالة مساحات من الغطاء النباتي في محيط بعض المواقع العسكرية.
السويداء.. البعد السياسي للتوسع الإسرائيلي
وبرزت محافظة السويداء خلال العامين الماضيين بوصفها إحدى أكثر المناطق حساسية في الجنوب السوري.
وبحسب تحليلات صادرة عن مركز الدراسات العربية الأوراسية ومراكز بحثية إقليمية، سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها كضامن لأمن الدروز في سوريا، من خلال مبادرات إنسانية وطبية وتصريحات سياسية ركزت على حماية أبناء الطائفة.
إلا أن هذه المقاربة أثارت جدلاً واسعاً داخل السويداء، حيث أظهرت احتجاجات ومواقف محلية تمسك قطاعات واسعة من المجتمع الدرزي بالهوية الوطنية السورية ورفضها أي وصاية أو تدخل خارجي، وفق ما وثقته الشبكة السورية
مفاوضات باريس ومستقبل الجنوب
بالتوازي مع التطورات الميدانية، شهدت العاصمة الفرنسية، باريس خلال عام 2026 جولات حوار غير مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين برعاية أميركية، تناولت مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري.
وبحسب تقارير نشرتها هآرتس واندبندنت عربية، تتمسك إسرائيل بضمانات أمنية طويلة الأمد تشمل استمرار وجودها في بعض المواقع الاستراتيجية، بينما تطالب دمشق بالانسحاب من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد كانون الأول 2024 والعودة إلى ترتيبات اتفاقية فض الاشتباك.
ويرى نانار هواش، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية (ICG)، أن فرص التوصل إلى اتفاق شامل لا تزال محدودة، مرجحاً أن تقتصر النتائج على ترتيبات أمنية موضعية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
من النكسة إلى التوغلات
بعد 59 عاماً على احتلال الجولان، تبدو الجبهة الجنوبية السورية أمام مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبقها منذ عام 1974. فبينما شكّل الجولان لعقود نقطة الارتكاز الأساسية للوجود الإسرائيلي على الحدود السورية، أفضت التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد إلى انتقال هذا الوجود من الهضبة المحتلة إلى نقاط استراتيجية في الجنوب السوري.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تمثل هذه التحولات مرحلة مؤقتة فرضتها ظروف ما بعد سقوط النظام، أم أنها تؤسس لواقع حدودي جديد قد يستمر لسنوات طويلة قادمة؟
- تلفزيون سوريا

























