إذا قُيِّض لأحد المهتمين أن يتابع سلاسل الأفلام التي ينشرها “يوتيوبرز” حول إنشاء أو حفر المآوي في الغابات والجبال، والتي يُراد منها الترفيه قبل أي شيء آخر، فإن أي محتوى كهذا سيصيب المتابع بالملل إن ظل قائماً على ذات الطرق والأساليب المكررة في محاولات النجاة الافتراضية. خاصة وأنها تقوم على مبدأ الحماية من خطر ما في الغابة، كالحيوانات المفترسة، أو أحوال الطقس القاسية في الجبال والتلال.
هذه الحمايات يمكنها أن تقي من الخطر لفترة مؤقتة، لكن الإنسان يضطر في النهاية للعودة إلى حيث يعيش البشر كي يحصل على مقومات الحياة الأساسية. غير أن أخطر ما في هذه العلاقة التي تُصنع هنا، إنما هو التركيز على العزلة والانقطاع عن الزمن الخارجي، وتصوّر أنها بذاتها ستمنح الإنسان الحماية!
العلاقة مع الزمن معقدة أكثر مما نتصور؛ وإذا تأخر الإنسان عن تحولاته، أو انفصل عنه، فهذا سيشكل فجوة يمكن تسميتها بـ”العزلة الزمنية”. وهي ليست مادية بالضرورة، فقد يعيش الإنسان وسط مجتمع نشط ومتحرك، ومع ذلك يظل محاصراً داخل إطار معرفي قديم، يفسر من خلاله العالم الجديد بأدوات لم تعد صالحة لفهمه.
بعد نحو عام من الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء، يبدو أن جزءاً من المشكلة يكمن في حالة انعزال نفسي وسياسي تتغذى على نفسها باستمرار.
خلال متابعة لقاء صحفي على شاشة قناة العربية مع طلال عامر، المتحدث باسم الحرس الوطني في السويداء، جرى قبل أيام، ظهرت مؤشرات العزلة بشكل واضح. كان الحوار يدور حول رؤية الجهة التي يمثلها لمستقبل المحافظة، وبينما كان المذيع يشير مراراً إلى الوقائع والمتغيرات، ظل المتحدث متمسكاً برؤية محددة ومغلقة، تقوم على تجاهل التحولات الجارية في المحيط السوري والإقليمي.
المشكلة هنا لا تتعلق بموقف سياسي بعينه، وإنما بطريقة التفكير نفسها؛ فالسياسة ليست مجرد رغبات أو شعارات، وإنما قدرة على قراءة الواقع كما هو. وعندما تنفصل الرؤية السياسية عن الوقائع الموضوعية، تصبح أقرب إلى التمني منها إلى العمل السياسي.
بعد نحو عام من الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء، يبدو أن جزءاً من المشكلة يكمن في حالة انعزال نفسي وسياسي تتغذى على نفسها باستمرار. وكلما جرى الحديث عن أخطار هذه الحالة، أو عن ضرورة إعادة وصل المحافظة بمحيطها السوري، يُفسر الكلام أحياناً على أنه موقف عدائي من أهل السويداء! أو تأييد للسلطة القائمة في دمشق! لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائية المبسطة؛ إذ لا يمكن اختزال مجتمع كامل في موقف سياسي واحد، كما لا يمكن بناء مستقبل منطقة تنتمي إلى الفضاء الجغرافي والاجتماعي السوري على أساس القطيعة الدائمة مع هذا الفضاء.
وحين تتحول العزلة إلى مشروع سياسي دائم، فإنها تبدأ بإنتاج نتائجها الخاصة: وأولها تضييق أفق التفكير، وثانيها تحويل أي رأي مختلف إلى تهديد، وثالثها إضعاف قدرة المجتمع نفسه على مراجعة أخطائه. ولعل ما تعرضت له بعض الأصوات الناقدة داخل السويداء يكشف جانباً من هذه المشكلة؛ فبدلاً من التعامل مع النقد بوصفه فرصة للتفكير، يجري التعامل معه بوصفه خيانة أو اصطفافاً مع الخصوم. وهذا ما جرى مع شهادة السيدة حنان معروف التي نشرتها قبل فترة وجيزة، ثم اضطرت إلى سحبها تحت ضغط الهجوم عليها، في حادثة ذات دلالة واضحة على أن الجماعة تستكين أحياناً إلى ما يشبه الغرفة المغلقة، التي لا تسمع سوى صدى صوتها. لكن الزمن لا يتوقف خارج هذه الغرفة، والجماعة تستطيع أن تعزل نفسها عن الآخرين، لكنها لا تقدر على تجاوز التحولات المستمرة، سواء اعترفنا بها أم لم نعترف.
إن نقد العزلة لا يعني التغاضي عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال الصيف الماضي، بل على العكس تماماً، فالعدالة تشكل شرطاً أساسياً لأي حل مستقبلي، والجرائم التي ارُتكبت بحق المدنيين تستوجب المحاسبة أياً كانت هوية مرتكبيها وأياً كانت هوية ضحاياها.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك، قضية امتحانات طلاب التعليم الأساسي والثانوية؛ فالدولة -أي دولة- لا تستطيع منح شهادات رسمية في منطقة لا تملك فيها القدرة على الإشراف على العملية الامتحانية وضمان نزاهتها. لذلك جرى توفير مراكز امتحانية في مناطق قريبة من السويداء بعد ظهور تهديدات باستهداف المراقبين القادمين من خارجها، ومع ذلك واجه بعض الطلاب ضغوطاً وتهديدات بسبب رغبتهم في التقدم للامتحانات. ما ذنب الطالب الذي يريد أن يكمل تعليمه؟ وما المصلحة التي تتحقق من وضع العقبات أمام مستقبله؟ وأي مشروع سياسي يمكن أن يبرر حرمان الشباب من فرص التعليم والعمل والاندماج في الحياة العامة؟
هذه الأسئلة تكشف الثمن الحقيقي للعزلة؛ فالسياسيون قد يتجادلون حول المبادئ والشعارات، لكن الكلفة يدفعها الناس العاديون الذين تتأثر حياتهم ومستقبل أبنائهم بالقرارات المتخذة باسمهم.
مع ذلك، فإن نقد العزلة لا يعني التغاضي عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال الصيف الماضي، بل على العكس تماماً، فالعدالة تشكل شرطاً أساسياً لأي حل مستقبلي، والجرائم التي ارُتكبت بحق المدنيين تستوجب المحاسبة أياً كانت هوية مرتكبيها وأياً كانت هوية ضحاياها. كل من ارتكب جريمة بحق أهل السويداء، من الدروز والبدو أو أي مكون آخر على قدم المساواة، يجب أن يخضع للمساءلة. وكما أن العدالة لا تعرف الانتماءات الطائفية أو العشائرية، فإنها لا تكتمل عبر تحميل المسؤولية لجماعات بأكملها، وإنما عبر تحديد المسؤوليات الفردية ومحاسبة المرتكبين وفق القانون.
في الواقع، قد تكون المحاسبة أحد المفاتيح الرئيسية للخروج من المأزق الحالي؛ لأن المجتمعات التي تشعر بأن دماء ضحاياها ذهبت هدراً تميل إلى مزيد من الخوف
والانغلاق، أما عندما ترى أن هناك مساراً حقيقياً للعدالة، فإنها تصبح أكثر استعداداً للنظر إلى المستقبل. لهذا لا يكفي الحديث عن المصالحة أو إعادة الاندماج أو استعادة الثقة، فكل هذه العناوين تحتاج إلى أساس صلب، وهذا الأساس هو العدالة.
- تلفزيون سوريا
























