كما كان متوقعاً فقد نجحت الحكومة الائتلافية الصربية في نهاية آذار المنصرم في التصويت بغالبية الأعضاء على بيان باسم البرلمان يدين "الجريمة" التي حدثت في بلدة سربرنيتسا البوسنوية خلال تموز 1995، حين قامت القوات الصربية بقتل كل سكان البلدة المسلمة الذين كان يقدر عددهم بحوالي 8 آلاف نسمة. والمهم هنا صدى هذا القرار وانعكاسه على العلاقات مع الجوار، وبالتحديد مع البوسنة المعنية أكثر من غيرها بهذا القرار.
صحيح أن هذا البيان "التاريخي" جاء ضمن التجاذب بين ما تتوقعه أوربا من صربيا التي تريد الآن الانضمام الى الاتحاد الأوروبي (الذي له موقف واضح حول هذا الأمر) وبين ما يمكن للحكومة الائتلافية أن تنتزعه أمام المعارضة القومية الصربية، حيث تم تخفيف البيان بإدانة "الجريمة" التي حصلت في سربرنيتسا عوضاً عن "المجزرة الجماعية" التي كانت في مشروع البيان، إلا أن الصدى الذي تركه في أوروبا والبوسنة يعد بفتح أكثر من طريق.
فالاتحاد الأوروبي الذي رحب بطلب انضمام صربيا اليه الذي قدمته في نهاية 2009 اشترط في الوقت نفسه على صربيا "التعاون التام" مع محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في لاهاي، والعمل على اعتقال العقل المنفذ لما حدث في سربرنيتسا الجنرال راتكو ملاديتش بعد أن اعتقلت العقل المؤدلج رادوفان كاراجيتش. فمحكمة جرائم الحرب تعتبر أن ما حدث في سربرنيتسا "مجزرة جماعية"، ولذلك فإن ذكر قرار المحكمة في البيان الصادر عن البرلمان الصربي يفتح الطريق أكثر بين بلغراد وبروكسل.
ومن ناحية أخرى، وهي الأهم هنا، فقد جاء هذا البيان الذي يعترف لأول مرة بما حدث ويدين "جريمة" القوات الصربية في سربرنيتسا ليمتص مشاعر الطرف المجني عليه وليفتح الطريق المباشر بين بلغراد وسراييفو.
فقد كشف سليمان تيهيتش رئيس "حزب العمل الديموقراطي"، الذي خلّف مؤسسه علي عزت بيغوفيتش والذي يتولى الآن منصب رئيس مجلس الشعب في البرلمان البوسنوي، أن الرئيس الصربي بوريس تاديتش قد اتصل به هاتفياً بعد التصويت على البيان المذكور في البرلمان الصربي ووجّه له دعوة رسمية لزيارة بلغراد.
وعلى الرغم من أن الزيارات الرسمية لم تنقطع بين بلغراد وسراييفو خلال سنوات التوتر والهدوء البارد إلا أن ترحيب تيهيتش بهذه الدعوة واستعداده الآن لزيارة بلغراد له أهمية خاصة لكونه على رأس الحزب الأكثر تمثيلاً للمسلمين في البوسنة. صحيح أنه لدينا أحزاب أخرى للمسلمين، ومنها "الحزب لأجل البوسنة والهرسك" الذي يقوده رئيس الجمهورية الحالي حارث سيلاجيتش، إلا أن تيهيش يذهب الى بلغراد في زيارة تاريخية باعتباره "وريث" عزت بيغوفيتش على رأس الحزب الذي قاد البلاد للاستقلال وقاد المسلمين خلال الحرب.
ومع أن تيهيتش يعترف الآن للصحافة الصربية (داناس 7/4/2010) أن البيان الصادر عن البرلمان الصربي حول سريرنيتسا لم يصل الى مستوى الاعتراف بـ"مجزرة جماعية" إلا أنه "خطوة مهمة" نحو التخلص من الماضي وأنه سيؤثر كثيراً على الرأي العام في صربيا ولدى صرب البوسنة.
وفي الواقع إن مشكلة المسلمين في السنوات الأخيرة غدت مع "جمهورية الصرب" في البوسنة أكثر مما هي مع "جمهورية صربيا". فمنذ أن انتخب ميلوراد دوديك رئيساً لـ"جمهورية الصرب" في 2006 أخذت العلاقات تتوتر أكثر بين الصرب والمسلمين في البوسنة حتى أن برلمان "جمهورية الصرب " أقرّ مؤخرا قانوناً حول الاستفتاء للانفصال عن البوسنة. وفي هذا السياق فقد بنى دوديك مواقفه المتشددة على نفي تورط الصرب بأي جرائم خلال الحرب في البوسنة 1992- 1995 التي أودت بمئة ألف قتيل ومئة ألف جريح.
ومن هنا يتوقع تيهيتش وغيره أنه مع اعتراف البرلمان الصربي في بلغراد بمسؤولية القوات الصربية عن جرائم الحرب في البوسنة أن يسحب البساط من تحت التشدد الصربي في بانيا لوكا (عاصمة "جمهورية الصرب") وأن يفتح الطريق لعلاقات جديدة بين بلغراد وسراييفو. فالمشكلة كانت في أن الطريق بين بلغراد وسراييفو يمرّ من بانيا لوكا، مع ما يثيره ذلك من مشاعر لدى المسلمين والكروات، بينما هو الآن ينفتح مباشرة بين بلغراد وسراييفو.
"المستقبل"




















