مطلع هذه السنة عندما كان الرئيس الاميركي باراك اوباما يختتم سنته الرئاسية الاولى كان الغالب على تقويم ادائه سلبيا.
لقد اعتبر في افضل الاحوال رئيسا مترددا وفي اسوئها ضعيفا. وشاع انه يحسن الخطابة بأكثر مما يحسن قيادة بلاده او العالم.
ولم تكن تنقص الاثباتات على صحة هذه التقويمات. ففي الداخل كان الرئيس يتعثر هو ومشروعه لاصلاح النظام الصحي. كما كان يتعثر في تطبيق الاجراءات المالية الاستثنائية لانقاذ الاقتصاد الاميركي من ازمته التي افتتحها انهيار سوق العقارات.
وفي الخارج لم يسجل الرئيس انجازا واحدا مما كان وعد به في خطبه الانتخابية البليغة.
في الشرق الاوسط تمكن بنيامين نتنياهو بسهولة من وقف اوباما عند حائط الاستيطان، ودفع الثمن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ولم يقدم الرئيس الاميركي جديدا بالنسبة الى العراق خارج "خريطة الطريق" التي كان سلفه جورج بوش قد رسمها للانسحاب مع نهاية 2011.
حتى نقطة قوة اوباما المتعلقة باعطاء الاولوية للحرب على افغانستان تحولت نقطة ضعف عندما كان يمدد اسبوعا بعد اسبوع، لا بل شهرا بعد شهر، قراره بالنسبة لمستقبل انخراطه العسكري في هذا البلد.
الانجاز الوحيد الذي تمثل بتبريد العلاقات الاميركية – السوفياتية التي تركها سلفه حامية، وذلك بتراجع الرئيس الجديد عن نشر مكونات الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا، تحول سريعا الى نقطة ضعف، بدوره، عندما بدا ان الرئيس لم يحصل في مقابل ذلك على اكثر من تنازل غامض في ما يتعلق بالملف النووي الايراني.
توّج ذلك كله بتقاطع التعليقات في الصحافة الاميركية على ولاية واحدة لرئيس بدا استثنائيا عند وصوله الى الرئاسة الاميركية.
لكن هذه الصورة سرعان ما تغيّرت مع نهاية الفصل الاول من السنة الحالية. وبدا وكأن الانجازات تتراكم في طريق الرئيس الاميركي، حيث لم يكن ينتظر سوى المراوحة او الفشل.
كان الانجاز الاكبر داخليا حيث نجح العمل الدؤوب في تمرير خطة الاصلاح الشامل للرعاية الصحية في الولايات المتحدة، مما جعل اوباما يحتل فورا موقعا متميزا بين الرؤساء الاميركيين منذ مطلع القرن العشرين.
وفي الخارج بدأت شهور الدرس والتأمل والانتظار، تؤتي ثمارها فحُسمت السياسة في افغانستان وبدأ تعزيز القوات الاميركية هناك، وبوشرت سلسلة من العمليات العسكرية في مناطق نفوذ "طالبان" بدا انها "مثمرة"، على الاقل في التخلص من انطباع ان "طالبان" تقضم البلاد في ظل التواجد الاطلسي.
حتى العراق الذي لم ينجح في كبح عنفه، امكن النجاح في مسارين: استمرار العملية السياسية الداخلية وآخرها الانتخابات النيابية، وتكريس انكفاء القوات الاميركية عن المواجهات الجارية وبالتالي حصول تقليص كبير في الخسائر البشرية الاميركية.
ثم اتى الانجاز المتمثل بالاتفاق الاميركي – الروسي على خفض مخزونات الرؤوس النووية لدى البلدين بنسبة 74 في المئة عن مستواها بموجب معاهدة "ستارت 1" التي انتهى العمل بها في نهاية 2009. ووضعت موسكو على الرف اعتراضها على مشاريع تطوير الاسلحة المضادة للصواريخ في اميركا، مع اتضاح ان واشنطن لم تعد تعطيها الاولوية التي كانت لها في عهد الرئيس الاميركي السابق.
كل ذلك مكّن اوباما من الالتفاف على طهران ونسج موقف دولي يزيد توافقه على ضرورة توقيع عقوبات عليها لعدم استجابتها لعروض رفع نسبة تخصيب الاورانيوم الذي تملكه في الخارج.
لقد استغرق بناء مثل هذا التوافق اشهرا طويلة، وها ان الصين نفسها بدأت تنتقل الى موقع الداعين الى "عقوبات ما".
هذه الانجازات المتراكمة على قاعدة النَفَس الطويل هي التي ربما جعلت الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف يصف اوباما بانه "الرئيس الذي يفكر قبل ان يتكلم" وانه "يكون دائما على علم تام بما يناقش"، في اشارة واضحة الى الصفات النقيض لدى سلفه.
يبقى لاستكمال هذه اللوحة من الرصيد المستجد للرئيس الاميركي، ان يتمكن اسلوب احتواء المشكلات المستعصية من تجاوز عقدة بنيامين نتنياهو. وربما يكون الاعلان المتكرر عن ان الرئيس الاميركي ما زال ينتظر جوابا منه على طلب تجميد الاستيطان في القدس الشرقية هو اعادة ادراج قضية المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية في دائرة الانجازات الممكنة للرئيس الاميركي.
"النهار"




















