في قرية صغيرة مستلقية فوق كتف وادٍ عميق، تعيش عائلة صغيرة في بيت حجري قديم يطلّ على الوادي الذي تكسوه أشجار الصنوبر والسنديان.
صباح ذات يوم سمع صاحب المنزل طرقات ملحّة على الباب، وما ان فتحه حتى أطلّ شرطي البلدية حاملاً اليه رسالة مقفلة.
حمل الرسالة الى المنزل ليقرأ: " لقد قرّر المجلس البلدي شقّ طريق جديدة تربط القرية بالقرى المجاورة. وبمقتضى التخطيط المعتمد فان الطريق سوف تمرّ وسط المنزل. لذلك قررت البلدية استملاك جزء منه من أجل المصلحة العامة".
لم يتمالك الرجل نفسه، فارتفع صوته صارخاً: أي مصلحة عامة هذه؟.. ولماذا لا يعاد تخطيط الطريق بحيث تمرّ وسط بيت آخر من بيوت القرية الثمانية عشر؟ ولماذا عليّ أن أتحمّل وحدي عبء الطريق التي يفيد منها الآخرون؟. وهل ان المصلحة العامة لا تكون الا على حسابي؟.
ورغم فورة الغضب التي انتابته، عاد الى التلفزيون ليتابع وقائع برنامج ترفيهي كانت تقدمه احدى المحطات المحلية علّه يخفف عنه وقع الصدمة المؤلمة. وفجأة أوقِف البرنامج، وأطل المذيع ليعلن بصوت متهدج ما يلي: أعلنت وكالة الفضاء الأميركية ناسا ان العلماء تمكّنوا من فك شيفرة رسالة موجهة من كوكب آخر الى الكرة الأرضية. تقول الرسالة ان حرباً ضروساً تجري في الفضاء بين كوكبين متصارعين. ولأن الكرة الأرضية تقع في الطريق بينهما، فانها معرّضة للإصابة بنيرانهما المدمرة!!.
كان الرجل قلقاً على مصير منزله الصغير والجميل. فاذا به يجد نفسه في حالة قلق على مصير الكرة الأرضية. كان يعتقد ان منزله هو عالمه، بل هو العالم كله، فاذا به يكتشف الحقيقة وهي ان عالمه جزء من كلّ. وانه هو نفسه مجرد كيان صغير، وان حاضره ومستقبله مرتبطان بالآخر مهما تباعدت المسافات.. وتباينت الأفكار.. وتناقضت المصالح…
ولقد دفعه القلق الى التساؤل: أمام هذا الخطر الأكبر المدلهم هل يستمر في معارضة قرار البلدية؟ وماذا ينفع التمسك بجزء من المنزل اذا كانت الكرة الأرضية كلها مهددة بالدمار؟. كيف يمكن الاعتراض على قرار محلي مع العجز عن الاعتراض على قرار المتقاتلين من الخارج، من عالم آخر، ولحسابات أخرى، ولأهداف تخصّهم وحدهم، والذين يهددون بتحويل الكرة الأرضية كلها الى مسرح لصراعهم ولتقاتلهم؟. اكتشف الرجل انه اذا كان يستطيع بشكل أو بآخر، بالترغيب أو بالترهيب ان يؤخر أو حتى أن يعطل القرار المحلي الظالم، فانه لا يستطيع الا ان يقف مكتوف الأيدي أمام القرار الخارجي الأشد ظلماً.
قد يكون في تعميم الظلم شيء من المواساة، ولكن ليس فيه شيء من العدالة. لقد ظُلمنا جميعاً. ظَلَمنا الآخرون. وظلمنا أنفسنا فتساوينا في المعاناة حتى كدنا نخسر بيتنا الصغير الجميل المطلّ على وادي الصنوبر والسنديان. فتحت القذائف فجوات في سقوف بيتنا، مكّنتنا من أن نرى بأم العين الحرب المشتعلة بين الكواكب، وشقّت طرقات عبر جدرانه من دون قرار من البلدية.. ولا حتى استئذان، وانهمرت علينا حجارة سجيل من عوالم غير عالمنا تحرق وتدمّر من دون أن نعرف لماذا او الى متى؟ ولما اتفقوا، اتفقنا.
في عام 1930 عثر لويس ليكي وهو أحد المنقبين الدوليين عن الآثار في تنزانيا على فأس حجري يقدر عمره بنحو مليون و 800 ألف عام. ويعتقد العلماء ان الفأس كان يستخدم لتقطيع اللحم. منذ ذلك الوقت اتخذ الفأس أشكالاً مختلفة لاداء المهمة ذاتها وهي تقطيع اللحم. من أحدث هذه الأشكال السيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي قطعت لحوم مجموعة من النخب الوطنية اللبنانية ومن عابري السبيل. ومنها القنابل العنقودية التي لا تزال منذ عام 2006 تتفجر في حقول التبغ والبرتقال في جنوب لبنان تحت أقدام المزارعين وطلاب المدارس. لقد أُخضع اللبنانيون لكل التجارب وكأنهم فئران بيضاء. ورغم فشل تلك التجارب، خرجوا من المختبرات مثخنين بالجراح، ولكن الى أين؟.
لقد أدركوا انه لا توجد رياح مناسبة لمن لا يعرف الى أين يتّجه. وان الاستطاعة هي الوجه الآخر للإرادة. فأنت تستطيع بقدر ما تريد. فلا انجاز بدون تصميم وعزم. ولا قدرة بلا ارادة. ليس صحيحاً ان السياسة هي فن الممكن. الصحيح كما يقول الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، ان السياسة هي فن تحويل الضروري الى ممكن.
وفي المرحلة الانتقالية الجديدة التي يمرّ بها لبنان، يواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة ومتداخلة، قد تصوّر للبنانيين ان طموحاتهم في السيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر هي طموحات مستحيلة. ولكنهم يملكون الارادة لتحويل المستحيل الى ممكن. وكما قال أبو حيان التوحيدي "ان الحق لا يكون حقاً بكثرة معتقديه، ولا يبطل أن يكون حقاً بضعف أصحابه". ولقد أثبتنا اننا أصحاب حق، واننا لسنا ضعافاً.
مع ذلك لا بد من الحذر الشديد، ذلك ان بعض النجاحات، كما قال الشاعر الانكليزي شيلر "تذوي كالأزهار البرية في الصحراء "، والأحداث التي تصنعها هذه النجاحات قد تتحوّل الى نفحة ريح في شراع واهٍ. ليس مهماً الوقوف أمام ما فعله هذا أو ذاك في الماضي، ان ما يهمّ هو صناعة ما هو أفضل للمستقبل. لقد تعلم اللبنانيون من أخطائهم أكثر مما تعلموا من انجازاتهم. كانت اخطاؤهم كثيرة ولذلك تعلّموا كثيراً، وهكذا يفترض، ولكن أهم انجاز حققوه هو انهم هنا رغم ان الكثيرين اعتقدوا، أو عملوا، حتى لا يكونوا لا هنا ولا هناك. فاللبنانيون مثل حصان البحر يستولدون ذاتهم من ذاتهم.
سُئل العالِم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين مرة، كيف تفسر نظريتك في النسبية؟ فأجاب سائله: تصوّر أنك أمسكت بحصوة صغيرة ثم تبيّن لك انها جمرة نار. لن تبقيها بيدك سوى لحظة قصيرة ثم تلقيها ارضاً، ولكنك سوف تشعر ان تلك اللحظة كانت دهراً.. ثم تصوّر أنك جالست لساعات طويلة سيدة رائعة الجمال، خفيفة الظلّ "لو شاءت لخفّتها رقصاً على الورد، ما بلّ الندى قدما" فإنك تشعر ان هذه الساعات ليست سوى لحظة عابرة.
ولبنان في صيغته وفي تكوينه وفي رسالته، هو مثل نظرية أينشتاين، سهل ممتنع. يمكن ادراك جوهره كجمرة نار ملتهبة عنفواناً وثقة بالنفس.. أو كسيدة جميلة يغرها الثناء.
قد يصعب على الكثيرين فهم سر روح لبنان. ولذلك يصعب عليهم التعامل معه. ففي الوقت الذي يبدو فيه لبنان وكأنه حطام عائم تتقاذفه الأمواج في كل صوب واتجاه، يعلن اللبنانيون عن انفسهم انهم حمَلة رسالة الى المنطقة والى العالم، رسالة عيش وطني على قاعدة الحرية والكرامة الانسانية.
هناك مَن لا يصدقهم، أو مَن لا يريد أن يصدقهم. ولكنهم يصدقون أنفسهم. وهذا هو المهم.
"المستقبل"




















