جلسة بعد جلسة، يفرغ الحوار اللبناني من المضمون ويتحول توجه زعماء الطوائف وأحزابها صوب القصر الجمهوري، إلى تجديد غير دوري للهدنة التي أعلنها اتفاق الدوحة قبل سنتين.
ما تم إقراره في الجلسات الأولى عام 2006، من إجماع على تأييد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يتعرض إلى التشكيك والمراجعة، علماً أن الأخطاء التي تؤخذ اليوم على لجنة التحقيق وقعت قبل إعلان دعمها من قبل المتحاورين حينذاك. السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الذي أبدى أطراف الحوار توافقاً نادراً حيال نزعه، ظهر جراء الاشتباكات داخل مواقع «القيادة العامة» وردود الفعل المحلية التي أعقبتها، أن إخراجه من لبنان لم يعد مطلباً «وفاقياً».
أما «الاستراتيجية الدفاعية» التي تحاول هيئة الحوار وضعها منذ استئناف أعمالها بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان، فدونها الأهوال حيث تطورت مواقف المشاركين في أعمال الهيئة منذ أربع سنوات إلى اليوم على نحو صار معه مجرد طرح موضوع سلاح «حزب الله» على النقاش العام، يهدد بانفراط عقد المتحاورين وتلويح ممثلين وتيارات بمقاطعة الجلسات. عليه، جرى التسليم بأن سلاح المقاومة ليس للنقاش لأسباب شرحها يطول.
الانطباع العام عن جمود أعمال الهيئة وعجزها عن إنجاز أي خطوة لا في اتجاه تبني قرارات جديدة على جداول أعمالها السابقة والمعلنة، ولا في اتجاه تطبيق ما تبنت من قرارات، هو انطباع ينبئ، بدوره، بحصول «تطور» ما على مستوى علاقات اللبنانيين ببعضهم وعلاقاتهم بمؤسستهم السياسية الرسمية. قد يكون التطور هذا (وهو غير إيجابي على المدى الأبعد) أن اللبنانيين الممثلين في هيئة الحوار قد صرفوا النظر ليس فقط عن مشروع بناء دولة حديثة تستحق اسمها، بل أيضاً عن أي محاولة لإعادة تأسيس حوار مثمر بينهم على مسائل جدية تتطلب العلاج.
الدولة مشروع خيالي في لبنان الآن ولا يسعى إليه سوى من فقد كل تماس بالواقع القائم وبموازين القوى المحلية والإقليمية، أو من لم يعد يملك من شعارات غير ما يكتشف أثناء البحث في الدفاتر القديمة.
وصيغة العلاقات بين اللبنانيين، متروك أمر تنظيمها إلى ما سيسفر عنه ترتيب الوضع العربي، من جهة، والعاصفة التي تهدد إسرائيل بإطلاقها في المنطقة، من الجهة الثانية. وريثما يتحقق واحد من الأمرين، يشغل اللبنانيون أنفسهم بتحسين مواقعهم في مواجهة بعضهم البعض وفي الاستعداد لاستقبال ما سيفرضه الخارج عليهم، في آن. فليس في وسع أي طرف محلي التنطح إلى تغيير نظام الحصص الطائفية ولا إلى الترويج لمشروع علماني ديموقراطي نابذ للطائفية. بعض الصخب «الإصلاحي» سواء في شأن قانون الانتخابات البلدية أو الفساد الإداري ليس، في آخر المطاف أو في أوله، غير تعمية على الرغبة الدفينة لأصحابه بالانقلاب على اتفاق الطائف الذي أظهرت أحداث السنوات الخمس الماضية أنه ما زال العامل الوحيد الضامن لاستمرار وقف إطلاق النار الحالي. وتبدو مدهشة تلك القدرة عند «الإصلاحيين» على الجمع بين التشدد في المطالبة بتعديل قانون انتخابي تلبية لضرورات النهوض بالدولة وفي الوقت عينه التشبث برفض مناقشة وجود «جيش» مواز للجيش الرسمي.
مهما يكن من أمر، ومن بين الدروس النادرة التي يفترض أن يكون اللبنانيون قد استخلصوها من حروبهم الأهلية، درس يدعو إلى إبقاء كل فرص الحوار والنقاش واللقاء على قيد الحياة، علّ وعسى.
"الحياة"




















