القرار الذي اتخذته إسرائيل مطلع الأسبوع الماضي، ودخل حيز التنفيذ العملي يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر الجاري، ويقضي بترحيل نحو سبعين ألف مواطن فلسطيني من الضفة الغربية، يعتبر القرار وجودهم غير قانوني، ذلك القرار يقدم مؤشراً إضافياً، لتأكيد مدى خطورة السياسة الإسرائيلية التي يقودها الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف.
ينطوي القرار الإسرائيلي على جملة من المؤشرات والأبعاد التكتيكية والاستراتيجية التي تتجاوز تأثيراتها الخطيرة، ما يتصل بعملية السلام التي يسعى المجتمع الدولي إلى إحيائها.
أولاً: القرار يتجاهل تماماً وجود سلطة فلسطينية قائمة في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، مما يدل بطريقة غير مباشرة على أن الحكومة الإسرائيلية تتنصل من الاتفاقيات التي سبق أن وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك وأساساً اتفاقية أوسلو لعام 1993، والتي تم بموجبها تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية الإسرائيلية هي المكلفة بتنفيذ القرار مما يعني تأكيد الولاية الأمنية لقوات الاحتلال على الضفة الفلسطينية والقدس، وبما يخولها القيام بإجراءات عملية لتنفيذ القرار بمعزل عن الأجهزة الأمنية والشرطية الفلسطينية.
يقود هذا إلى ترجيح قيام الجيش الإسرائيلي بعمليات توغل، واجتياحات لبعض مناطق السلطة الفلسطينية خصوصاً في الضفة، فضلاً عن تفعيل الحواجز العسكرية المنتشرة في كل زاوية ومكان ويصل عددها نحو ستمائة حاجز، من أجل اصطياد المواطنين الفلسطينيين الذين ينطبق عليهم القرار.
ثانياً: ينطوي القرار على أبعاد عنصرية، إذ إنه يندرج في سياق جملة من القرارات، ومشاريع القوانين التي يقدمها اليمين للكنيست الإسرائيلي من أجل إقرارها، لتعميق عملية التمييز بين اليهودي وغير اليهودي وإبراز تلك القرارات، مثل القرار الذي يتعلق بقسم الولاء لدولة إسرائيل، وقرار منع إحياء ذكرى النكبة عام 1948.
وإذا وضعنا هذه القرارات في سياق السياسة الرسمية المتعلقة بالتعامل مع نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يقيمون في إسرائيل، قبل وجودها، وتكرس التمييز في كل شيء بينهم وبين اليهود، فإن إسرائيل الرسمية تتجه نحو نظام (أبارتهايد) عنصري بغيض.
إن إصرار إسرائيل على ضرورة موافقة الفلسطينيين على طابعها اليهودي كشرط لعملية سلام، يعكس بوضوح هذه السياسة، التي ترمي إلى تطهير عرقي، وترانسفير جماعي بحق مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل، وترى الكثير من الأحزاب الإسرائيلية أن مكانهم، خارج حدودها، مما يجعل التحدي الأساسي للفلسطينيين كجماعة سياسية يتمثل في وجودهم على أرضهم.
ثالثاً: القرار يذهب إلى تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ إنه يستهدف ترحيل كل فلسطيني من مواليد غزة، أو من غزيين إلى قطاع غزة، الأمر الذي يمس بحرية تنقل وإقامة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، باعتبارها وحدة جغرافية واحدة، وفقاً للقرارات الدولية بهذا الخصوص، ولما أقرته اتفاقية أوسلو أيضاً.
رابعاً: تمعن إسرائيل في التنكر للقرارات الدولية، ورغبات المجتمع الدولي، والاتفاقيات السابقة، التي تؤكد أن الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، هي أراض محتلة.
ولا يجوز للقوة التي تحتلها اتخاذ أية إجراءات لتغيير طابعها وهويتها. القرار الإسرائيلي يتحدث عن منطقة متنازع عليها، وتسعى إسرائيل لتنفيذ ادعاءاتها التوراتية عليها.
في هذا الإطار يجدد الفلسطينيون استعادة ما كان صرح به رئيس الوزراء السابق أرييل شارون عندما فاز في انتخابات عام 2001، عن أن الصهيونية دخلت مرحلتها الثانية. وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان بدوره يتابع ذات الوجهة، التي تعني إنهاء القضية الفلسطينية، والتحضير لإعلان الجمهورية الإسرائيلية الثانية
ليبرمان الذي تتميز تصريحاته بعنصرية واضحة، صرح أكثر من مرة، أنه لا يمكن تحقيق السلام من خلال التنازل عن الأرض، ويقصد أرض الضفة الغربية والقدس.
إن الأطماع الإسرائيلية إزاء استمرار السيطرة على الضفة الغربية واضحة كل الوضوح، والمسألة عندنا تتخذ بعداً توراتياً، على اعتبار أن ما تسميه إسرائيل «يهودا والسامرة» إنما هي ميدان تحقيق الأهداف التاريخية لإسرائيل.
خامساً: في البعد التكتيكي سنلاحظ أن الحكومة الإسرائيلية تضيف عاملاً آخر يشكل وسيلة ضغط على الفلسطينيين للتخلي عن شرط وقف الاستيطان قبل استئناف المفاوضات، وهو أمر سيؤدي إلى تعقيد الجهود الأميركية والدولية الرامية لإحياء العملية السلمية.
سادساً: يرمي القرار الإسرائيلي إلى تشريع وقوننة سياسة الترانسفير الجماعي بحق الفلسطينيين، أو دفع الأمر نحو أن يصبح جزءاً من السياسات التي تفرضها إسرائيل على أرض الواقع، تماماً كما مكنت من فرض سياساتها إزاء الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس. السياسة الإسرائيلية إزاء التعامل مع الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ عام 1967، تتمتع بقدر من الانسجام.
كاتب فلسطيني
talalokal@hotmail.com
"البيان"




















