كثر الحديث اخيراً عن الاجتماع الاستراتيجي الذي عقده الرئيس الاميركي باراك اوباما في البيت الابيض مع مجموعة من اركان ادارته، فضلاً عن مجموعة من مستشاري الامن القومي لعدد من الرؤساء الاميركيين السابقين امثال برنت سكوكروفت وزبغنيو بريجينسكي. الهدف من الاجتماع كان البحث في السياسة الاميركية في ما يتعلق بالصراع العربي – الاسرائيلي.
وترافق هذا الاجتماع مع كلام في الصحافة الاميركية عن ميل لدى ادارة اوباما للتقدم بصيغة تسوية للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي في الاشهر المقبلة. هذا الخبر كان له وقع الصاعقة على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أكد رفضه القبول أن تعمد اميركا الى فرض حل للصراع.
وربما كان الدافع الذي جعل الادارة الاميركية تفكر في التقدم بصيغة حل، هو حال المراوحة في الجهود التي يبذلها المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل الذي لم يتمكن بعد اكثر من سنة على زياراته للمنطقة من إحياء عملية التسوية التي توقفت عقب الحرب الاسرائيلية على غزة. ليس ذلك فحسب، بل انه في اليوم الذي اعتقد ميتشل انه حقق اختراقاً باعلانه التوصل الى اتفاق على اطلاق ما يسمى "مفاوضات التقارب" أي اجراء محادثات غير مباشرة بوساطة اميركية تمهيداً للانتقال في مرحلة لاحقة الى المفاوضات المباشرة، أجهضت اسرائيل هذا التقدم المتواضع بإعلانها عن مخطط لبناء 1600 وحدة سكنية في مستوطنة رامات شلومو بالقدس الشرقية. وبذلك عاد الاطراف الى نقطة الصفر.
هذا المأزق حمل اوباما على التقدم بلائحة مطالب الى نتنياهو ترمي الى بناء الثقة مع السلطة الفلسطينية، كي يكون في الامكان اقناع الجانب الفلسطيني بمعاودة المفاوضات. وحتى الان اختار نتنياهو عدم الرد على اوباما. وقد حملت المماطلة الاسرائيلية بريجينسكي على مطالبة رئيس الوزراء الاسرائيلي باتخاذ موقف مغاير لموقف وزير الدفاع الاسرائيلي الراحل موشي دايان الذي قال يوماً صراحة انه يفضل الاحتفاظ بشرم الشيخ على ان يعقد اتفاق سلام مع مصر يعيد اليها بموجبه هذه المنطقة. ودعا بريجينسكي نتنياهو الى عدم تكرار هذا الموقف في ما يتعلق بالقدس الشرقية التي يرفض الاخير وقف الاستيطان فيها او وضعها على جدول اعمال مفاوضات الحل الدائم.
في لحظة التوتر الاميركي – الاسرائيلي، اختارت اسرائيل توجيه الاتهام الى سوريا بتزويد "حزب الله" صواريخ "سكود"، وهي تعلم علم اليقين ان ليس في وسع اوباما او أي ادارة اميركية التساهل في موضوع أمن اسرائيل. وفعلاً بدا البيت الابيض حاسماً في تحذيره من التداعيات التي يمكن ان تترتب على مثل هذا الامر في حال كان قد حصل فعلاً.
وبإثارة موضوع الصواريخ، تحاول اسرائيل تصويب علاقاتها مع واشنطن وتجاوز التوتر لا سيما بعدما بدا ان اوباما يسعى جدياً في اتجاه ايجاد تسوية للصراع في المنطقة. وبطبيعة الحال لم تستسغ الحكومة الاسرائيلية كلام اوباما في ختام القمة النووية، عن مخاطر زج الولايات المتحدة في نزاعات جديدة تدفع كلفتها مادياً وبشرياً بسبب استمرار هذا الصراع، او عندما اعتبر ان ايجاد تسوية امر يصب في المصلحة القومية لاميركا.
ويحاول نتنياهو ان يصرف انتباه اوباما عن القضية الفلسطينية الى ملفات أخرى بينها السلاح الذي يحصل عليه "حزب الله". وهو بذلك يبعث ايضاً برسالة واضحة الى ادارة اوباما التي تمضي في عملية تعيين سفير اميركي جديد في سوريا. ومهما كان تصميم الادارة الاميركية الحالية على المضي في التطبيع مع سوريا، فإن اثارة مسألة الصواريخ تشكل ولا شك إحراجاً واضحاً للرئيس الاميركي.
أزمة جديدة تسعى اسرائيل من خلالها الى الهروب مجدداً من دفع ثمن السلام مع العرب، لأن عقيدة دايان لم تتغير.
"النهار"




















