شعار المؤتمر الذي استضافته طهران أمس «الطاقة النووية السلمية للجميع والسلاح النووي ليس لأحد» أرادته إيران أن يكون رداً على المؤتمر الأميركي عن الأمن النووي، رغم الاختلاف بين أهداف المؤتمرين. لا بل قد يؤدي الخلط الإيراني المتعمد بين الهدف المعلن لكل من المؤتمرين الى ما لا تريده إيران. إذ ليس من مصلحة إيران في شيء أن تعتبر نفسها معنية باحتمال تسرب مواد نووية الى حركات أو تنظيمات إرهابية، في الوقت الذي ما زالت أزمة ملفها النووي مطروحة في كل العواصم الفاعلة في العالم.
الشق الأول من الشعار (الطاقة النووية السلمية للجميع) هو جوهر العرض الدولي لإيران في قضية التخصيب. وقد مر وقت طويل من دون أن تقدم طهران ما يفيد انها على استعداد لقبول هذا العرض الذي يضمن لها الطاقة النووية السلمية ويحفظ مصالحها الحيوية. أما الشق الثاني من الشعار (السلاح النووي ليس لأحد) فيراوح بين افتعال السذاجة وبين تكتيك التفاوض الذي لا يقدم أي ضمانات حول طبيعة المشروع النووي الإيراني.
وجاءت الاقتراحات التي قدمها الرئيس محمود احمدي نجاد أمام الضيوف في طهران لتظهر أن بلاده لا تكتفي بتغذية الغموض حول مشروعها النووي بل تريد أيضاً تغيير القواعد الدولية التي تحكم البرامج النووية السلمية والعسكرية، وفي الاتجاه الذي ترتأيه. علماً أن هذه القواعد تم التوصل إليها، بعد انتشار السلاح النووي وخلال الحرب الباردة، من أجل ضبط أخطار إمكان استخدام هذا السلاح ثانية في العالم، وإبقائه في إطار الردع المتبادل لدى الدول التي طورته. أي أن إمكان إدخال تغييرات جوهرية على هذه القواعد، بحسب الرغبة الإيرانية، تصطدم أولاً بمواقف الدول التي تبدي مرونة في مفاوضات الملف الإيراني (الصين وروسيا أساساً) قبل أن تلقى الرفض من الدول الغربية الساعية الى عقوبات على طهران.
كما لا يكفي إعلان المرشد علي خامنئي «تحريم» استخدام السلاح النووي من أجل أن يقتنع العالم بطبيعة برنامج بلاده. فالغموض النووي هنا يلعب ضد مصلحة إيران إذا كانت فعلاً ترغب في الطاقة السلمية. صحيح أن إسرائيل تستغل «غموضها النووي»، وتعتبر أن هذا الغموض هو الذي يوفر لها قدرة ردع استراتيجي. لكن الوضع الإيراني، كما يقول المسؤولون الإيرانيون، مختلف. فالدولة العبرية تمتلك السلاح النووي منذ خمسينات القرن الماضي، وهي لا تنفي ولا تؤكد ولم تنتسب الى وكالة الطاقة الذرية الدولية، بهدف تغذية هذا الغموض أولاً وعدم الخضوع للمراقبة الدولية. أما إيران التي تنتسب الى وكالة الطاقة وتعلن أن هدفها ليس السلاح وانما الطاقة السلمية، فانها تتصرف وكأنها دولة تحوز السلاح النووي أو هي على طريق حيازته.
في مقابل ذلك، لا يمكن إيران، في الوقت الذي تسعى فيه الى تحسين وضعها الإقليمي، أن تعزل الغموض حول نياتها النووية عن العلاقات مع الجوار. وكلما ازداد هذا الغموض النووي تزداد الشبهات حول الدور الإيراني وتالياً تزداد التوترات مع الجوار، بشقيه العربي والتركي.
واليوم، ومع اقتراب موسكو من الموقف الغربي في الملف الإيراني ومع بدء الصين مناقشة احتمال عقوبات جديدة، يضيق هامش المناورة السياسية أمام طهران في هذا الشأن. وهي تشعر بهذا الضيق على نحو تتجه فيه الى اقتراح قواعد دولية جديدة. فهل يعني هذا انها تمهد للخروج نهائياً من هذه القواعد، أم أن القضية مناورة جديدة لتحسين شروط التفاوض؟
"الحياة"




















