الجمهورية الإسلامية الإيرانية مصمّمة على أن تصبح القوة النووية العاشرة في العالم. إنها تتحدّى موجباتها الدولية وتقاوم الضغوط الديبلوماسية المنسَّقة الهادفة إلى منعها من تخصيب الاورانيوم.
وقد هزئت بالعديد من قرارات الأمم المتحدة التي تدعوها إلى تعليق التخصيب، ورفضت أن تقدّم شرحاً وافياً عن نشاطاتها النووية للوكالة الدولية للطاقة الذرية. حتى إذا شُنّ هجوم عسكري ناجح على المنشآت النووية الإيرانية، فلن يؤدّي سوى إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات قليلة، ومن شبه المؤكّد أنه سيزيد من تصميم طهران على التسلّح نووياً. يمكن أن يقود التململ السياسي الحالي في إيران إلى إطاحة النظام، فيسفر عن تغييرات جوهرية في سياسة طهران الخارجية ويضع حداً لسعيها إلى امتلاك أسلحة نووية. لكن لا يمكن افتراض مثل هذه النتيجة. إذا استمر البرنامج النووي الإيراني في التقدّم وفقاً لوتيرته الحالية، فقد تمتلك إيران المواد النووية المطلوبة لصنع قنبلة قبل انتهاء الولاية الحالية للرئيس الأميركي باراك أوباما.
مخاطر انضمام إيران إلى النادي النووي معروفة جيداً: فقد يُشجّع هذا التطور طهران على مضاعفة محاولاتها للعبث بأمن جيرانها وتحفيز الإرهاب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وسوف يزيد خطر نشوب حرب تقليدية ونووية على السواء في الشرق الأوسط؛ وقد يرغب مزيد من الدول في المنطقة في التحوّل قوى نووية؛ وسوف يعاد تنظيم التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط؛ وسوف تُقوَّض الجهود الأوسع نطاقاً الآيلة إلى وقف انتشار الأسلحة النووية. من شأن صعود إيران نووية – حتى ولو رضيت بأن تمتلك فقط المواد والبنى التحتية الضرورية لتجميع قنبلة في فترة قصيرة بدلاً من بناء ترسانة نووية – أن يُعتبَر هزيمة ديبلوماسية كبرى للولايات المتحدة.
سوف يشكّك الأصدقاء والأعداء على السواء في قدرة الحكومة الأميركية وعزمها على صوغ الأحداث في الشرق الأوسط. سوف يردّ الأصدقاء بالابتعاد عن واشنطن؛ أما الأعداء فسوف يتحدّون السياسات الأميركية بعدوانية أكبر. لكن يمكن تفادي هذا السيناريو. حتى إذا فشلت واشنطن في منع إيران من اكتساب القوة النووية، تستطيع احتواء عواقب التحدّي النووي الإيراني والتخفيف من حدّتها. يجب أن توضح واشنطن لطهران أن امتلاك القنبلة النووية لن يمنحها المنافع التي تتوقّعها، بل سوف يؤدّي إلى عزل النظام وإضعافه. يجب أن تضع واشنطن "خطوطاً حمراء" واضحة تحدّد من خلالها ما تعتبره سلوكاً غير مقبول – ويجب أن تكون مستعدّة لاستخدام القوة العسكرية في حال تجاوزت طهران هذه الخطوط. وعليها أيضاً أن تطمئن أصدقاءها وحلفاءها في الشرق الأوسط إلى أنها لا تزال ملتزمة التزاماً راسخاً الحفاظ على توازن القوى في المنطقة.
لن يكون من السهل احتواء إيران نووية. فهو يتطلّب مهارة ديبلوماسية وإرادة سياسية كبيرتَين من جانب الولايات المتحدة. ويمكن أن يفشل. قد تختار إيران في حال امتلاكها القوة النووية، استعراض عضلاتها وامتحان العزيمة الأميركية. حتى في ظل أفضل الظروف، يمكن أن تؤدّي الطبيعة غير الشفافة لعملية صنع القرارات في طهران إلى تعقيد جهود الردع التي تبذلها واشنطن. ولذلك من الأفضل بكثير أن تتوقّف إيران – أو يتم وقفها – قبل أن تصبح قوة نووية. يجب أن تنشط الجهود المبذولة حالياً للحد من البرنامج النووي الإيراني. ويجب الاستمرار في ممارسة ضغوط اقتصادية على طهران. ولا يجب إقصاء الخيارات العسكرية لمنع إيران من اكتساب قوة نووية. لكن هذه الخطوات قد لا تكون كافية. إذا عبر الملالي المتعنّتون في إيران العتبة النووية، فسوف تواجه الولايات المتحدة تحدّي العمل كي لا تنقلب النتيجة البغيضة إلى كارثية. يقتضي ذلك فهم الطريقة التي يمكن أن تتصرّف بها إيران نووية، والرد المحتمل من جيرانها، وما الذي تستطيع واشنطن فعله لصوغ مدركات كل هؤلاء اللاعبين وأفعالهم.
رسولية وبراغماتية
إيران حالة غريبة: إنها ثيوقراطية من الزمن الحديث تتبع مثلاً عليا ثورية بينما تحافظ على مصالحها العملية. بعد ثلاثة عقود من التجارب، لم تتجاوز إيران وخز الضمير الأيديولوجي. لقد أورث مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، خلفاءه كوزمولوجيا دينية تقسم العالم بين ظالمين ومظلومين، وتعهد إلى إيران مهمة إعتاق الشرق الأوسط لتحلّ فيه قوى البِر. غير أن الموجب السياسي للبقاء في السلطة دفع بالقادة الإيرانيين في اتجاه مختلف أيضاً: كان عليهم إدارة الاقتصاد الإيراني، وتلبية متطلّبات السكان الذين تتزايد أعدادهم، وتحقيق المصالح الإيرانية في منطقة مضطربة. اضطُرّ الحكّام الدينيون إلى عقد اتفاقات مع خصومهم وأعدائهم، وكانوا يخفّفون من حين لآخر من حدّة عقيدتهم. وقد فرضت عليهم مهمة الحكم تقديم تنازلات إزاء وقائع غير مستساغة في معظم الأحيان، وقوّضت طاقاتهم الثورية. غالباً ما وضع الصدام بين الأيديولوجيا والبراغماتية إيران في موقف متناقض اضطُرَّها إلى تأمين أهدافها ضمن نظام إقليمي تعهّدت بتقويضه. تلبيةً لدوافعهم الثورية، حوّل القادة الإيرانيون العداء لأميركا والمعارضة الشديدة لإسرائيل ركيزتَين من ركائز الدولة.
تدعم طهران المجموعات المتطرفة، مثل "حماس" و"حزب الله"، والميليشيات الإسلامية المعارِضة للقوات الأميركية في العراق. لقد قام الملالي بمحاولات متفرّقة لإثارة الاضطرابات في المشيخات المتحالفة مع الولايات المتحدة في الخليج الفارسي. لكن النظام استمر لأن الحكّام أدركوا حدود سلطتهم، ومزجوا تالياً بين التحريض الثوري والتكيّف البراغماتي. على الرغم من أن إيران ندّدت بالولايات المتحدة واصفةً إياها بالشيطان الأكبر ودعت إلى إبادة إسرائيل، إلا أنها تفادت المواجهة العسكرية المباشرة مع أي من الدولتَين. وقد دافعت بشدّة عن الفلسطينيين، لكنها وقفت موقف المتفرّج بينما كان الروس يذبحون الشيشان والصينيون يقمعون الأويغور المسلمين. يبدو أن النقاوة الأيديولوجية كانت أقل أهمية من السعي للحصول على غطاء ديبلوماسي من روسيا ومن التعامل التجاري مع الصين. على الرغم من دوافعهم الإسلاموية الشديدة، يحب الملالي السلطة كثيراً إلى درجة أنهم لا يريدون أن يكونوا شهداء. لم يَظهر البرنامج النووي الإيراني كجانب مهم في العلاقات الخارجية للبلاد وحسب، إنما أيضاً وبصورة متزايدة كعنصر يطبع هويتها الوطنية.
ومع نضوج البرنامج، تغيّرت الأسباب التي تقف وراء السعي إلى تطبيقه. خلال رئاسة كل من هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، اعتُبِرت الأسلحة النووية أدوات ردع في وجه الولايات المتحدة ونظام صدام حسين، من جملة أمور أخرى. أما النخبة الحاكمة الحالية الأكثر محافظة، بما في ذلك الرئيس محمود أحمدي نجاد والحرس الثوري، فتعتبرها وسائل أساسية لتحقيق التفوّق الإيراني في المنطقة. بعبارة أخرى، كي تكون إيران قوية، تحتاج إلى بنى تحتية نووية راسخة وواسعة النطاق. وقد ينطبق هذا في شكل خاص على المرحلة الراهنة حيث تغرق إيران في أسوأ اضطراب داخلي تشهده منذ سنوات: فهذه الأيام، يبدو أن النظام يرى في سعيه لتحقيق الاكتفاء الذاتي النووي وسيلة لإحياء حظوظه السياسية. من شأن اكتساب قوة نووية أن يمنح إيران تمكيناً، إنما بدرجة أقل بكثير مما تطمح إليه.
انضمام إيران إلى النادي النووي سوف يجعلها في حالة نشوة في البداية، وعلى الأرجح أنه سيشجّعها على أن تكون أكثر عدوانية.
سوف يشعر الملالي بأنهم يملكون سلاحاً استراتيجياً من شأنه تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. وقد يشعرون أنهم يملكون حرية تحرّك أكبر للتحريض على انتفاضات شيعية ضد المشيخات العربية في الخليج الفارسي. لكن أي جهود لزعزعة الاستقرار لدى جيرانهم السنّة سوف تلاقي الإخفاق نفسه الذي لقيته حملات مشابهة في الماضي. لم تستقطب الرسالة الثورية الإيرانية تقليدياً سوى شريحة صغيرة من الشيعة في الخليج الفارسي. لم تسعَ التظاهرات المتفرّقة في البحرين والسعودية إلى محاكاة الثورة الإيرانية؛ بل إنها شكّلت منفذاً للشيعة كي يعبّروا عن حرمانهم من الحقوق الاقتصادية والسياسية. وإذا اكتسبت إيران القوة النووية، فقد تحدّثها نفسها أيضاً بأن تتحدّى جيرانها في الخليج الفارسي لخفض إنتاجهم النفطي والحد من وجود القوات الأميركية على أراضيهم. لكن من غير المرجّح أن يساعد امتلاك الأسلحة النووية إيران على تحقيق هذه الأهداف، لأن الأسلحة النووية هي بحكم التعريف فئة ضيّقة جداً من السلاح بحيث لا يمكنها سوى تحقيق مجموعة محدودة من الأهداف. إنها توفّر قدرة رادعة: فخلافاً لعراق صدام، لن تتعرّض إيران نووية للاجتياح، ولن يُخلَع قادتها من مناصبهم. لكن أمن النظام وإظهار القوة أمران مختلفان جداً. من الصعب تخيّل أنظمة سنّية تذعن لدولة شيعية صاعدة، سواء كانت نووية أم لا؛ فالاحتمال الأكبر هو أن دول الخليج الفارسي ستحتمي أكثر فأكثر تحت المظلة الأمنية الأميركية.
المفارقة هي أن السلاح الذي صُمِّم كي يحقّق لإيران التفوّق الإقليمي يمكن أن يؤدّي إلى إبعادها أكثر فأكثر عن جيرانها وإلى تمديد وجود القوات الأميركية على حدودها إلى ما لا نهاية. بعبارة أخرى، من شأن التمكين النووي أن يحبط طموحات الهيمنة لدى إيران. على غرار آخرين طمحوا لامتلاك السلاح النووي قبلهم، قد يكتشف حرّاس الثيوقراطية أن القنابل النووية ليست بكل بساطة جيدة لتحقيق النفوذ الديبلوماسي أو التعظيم الاستراتيجي. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أن الحماية التي توفّرها إيران نووية قد تسمح لحركة "حماس" و"حزب الله" ومجموعات قتالية أخرى في الشرق الأوسط بأن تصبح أكثر حدّة في مطالبها وأكثر جرأة في تصرّفاتها، من شأن ترسانة إسرائيل النووية وقوتها العسكرية النظامية الكبيرة، إلى جانب الدعم الأميركي لها، أن تبقي أولئك الفاعلين تحت السيطرة. لا شك في أن طهران سوف تلجأ إلى التهديد والوعيد، وسوف تشدّد على تضامنها مع "حماس" و"حزب الله"، لكنها لن تجازف بالدخول في مواجهة نووية مع إسرائيل لمساعدة هذه المجموعات في نشاطاتها. لقد تعلّمت "حماس" و"حزب الله" من مواجهتهما الأخيرة مع إسرائيل أن من يشنّ حرباً ضد الدولة اليهودية يخوض المعركة وحيداً. احتمال أن ترسل إيران أداة نووية خاماً إلى محميّيها الإرهابيين هو خطر آخر، لكنه مستبعد أيضاً.
فمن شأن خطوة مماثلة أن تجعل طهران في مرمى نيران الولايات المتحدة وإسرائيل. على الرغم من مزاعمها الرسولية، لقد تقيّدت إيران بحدود واضحة عند دعم الميليشيات والتنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط. لم تزوّد إيران "حزب الله" أسلحة كيميائية أو بيولوجية، أو الميليشيات العراقية معدّات لإسقاط الطائرات الأميركية. يدرك الحكّام الإيرانيون أنه من شأن هذه الخطوات الاستفزازية أن تهدّد حكمهم عبر استدعاء الانتقام. من جهة أخرى، ومن خلال الجمع بين الخطاب الحاد النبرة والدعم المحدود في الممارسة، تستطيع المؤسسة الدينية أن تحشد تهليلاً شعبياً لتحدّيها الغرب وفي الوقت نفسه معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل من دون أن تتعرّض لعقوبة شديدة. في حال اكتسبت إيران قوة نووية، على الأرجح أنها لن تتصرّف بطريقة مغايرة، على الأقل نظراً إلى احتمال حصول رد قوي من جانب الولايات المتحدة. كما أنه من غير المرجَّح أن تصبح إيران باكستان الجديدة التي تبيع دولاً أخرى وقوداً ومواد نووية. غالب الظن أن احتمالات فرض عقوبات إضافية وحصول مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة سوف تحول دون تصرّف إيران بتهوّر. لا شك في أنه في حال اكتسبت إيران القوة النووية، سوف تطرح مخاطر جديدة في الشرق الأوسط، ولا سيما في البداية، عندما ستكون على الأرجح في ذروة تهوّرها. قد تشق طريقها عبر الشرق الأوسط بينما تحاول استغلال الفوائد المفترضة لقدرتها الجديدة، وقد تمتحن حدود الولايات المتحدة. لكن الملالي سيجدون صعوبة في ترجمة المكانة النووية الإيرانية إلى فائدة سياسية ملموسة. وإذا أوضحت واشنطن أن أي تصرّفات متهورة من جانبهم ستكون كلفتها باهظة جداً، فسوف يتضاءل كثيراً احتمال قيامهم بمثل هذه التصرّفات.
الارتدادات في المنطقة
لدى تقويم نتائج حيازة إيران الأسلحة النووية، من المهم ألا نتوقّف فقط عند الطريقة التي يُحتمَل أن تتصرّف بها إيران إنما أيضاً عند ردّ فعل الدول الأخرى إزاء هذه النتائج – وما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة للتأثير في ردود فعلهم. لن يؤدّي تسلّح إيران نووياً إلى جعل واشنطن تنكفئ إلى مراقبة الأحداث في المنطقة عن بعد. فمن شأنها أن تحتفظ بقدرة كبيرة على صوغ ما يفعله جيران إيران وما يحجمون عن فعله. من السهل رسم السيناريو الكابوسي الذي يمكن أن تتسبّب به حيازة إيران الأسلحة النووية. فمن شأن إسرائيل أن تدخل حالة تأهّب قصوى – فتصبح جاهزة لإطلاق سلاح نووي في أي لحظة – مما يجعل البلدَين على بعد دقائق فقط من الإبادة الكاملة. وسوف تتدافع مصر والسعودية وتركيا للانضمام إلى النادي النووي. وسوف تنهار معاهدة حظر الانتشار، مما يطلق موجة من الانتشار النووي في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. يمكن أن يتحقّق سيناريو الهلاك هذا. وتحقّقه رهن إلى حد كبير بالطريقة التي ستتعامل بها الولايات المتحدة وسواها، بما في ذلك إسرائيل، مع تسلّح إيران نووياً.
سواء أحجم رئيس الوزراء الإسرائيلي عن شن هجوم وقائي على المنشآت النووية الإيرانية أو اختار شنّ هجوم ومني بالفشل، سوف تستمر الحكومة الإسرائيلية في النظر إلى النظام الإيراني بأنه يشكّل تهديداً وجودياً لإسرائيل يجب صدّه بشتّى الطرق الممكنة، بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية. نظراً إلى التاريخ الإسرائيلي الفريد وإنكار أحمدي نجاد للمحرقة بازدراء، لا يستطيع أي رئيس وزراء إسرائيلي أن يفكّر بطريقة مغايرة. من شأن خطورة المواجهة النووية بين إسرائيل وإيران أن تختلف باختلاف طبيعة الترسانة النووية الإيرانية وحجمها. فإيران التي تملك فقط القدرة على صنع سلاح نووي تشكّل تهديداً أقل فورية بكثير لإسرائيل من إيران التي تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً. من شأن حيازة إيران قنبلة نووية أن تولّد وضعاً غير مستقر بطبيعته، حيث يكون لدى الطرفَين حافز للمبادرة أولاً إلى الهجوم: إيران كي تتفادى خسارة ترسانتها، وإسرائيل كي تمنع طهران من استخدامها. سوف تعتمد الحكومة الإسرائيلية في حساباتها حول إيران على تقويمها لاستعداد الولايات المتحدة وقدرتها على ردع إيران. سوف يتأثّر صنع القرارات في إسرائيل بعوامل عدة: دعم الولايات المتحدة لإسرائيل منذ أمد طويل، والشكوك الإسرائيلية بشأن قدرة الولايات المتحدة على القيادة بعد فشل واشنطن في منع إيران من حيازة أسلحة نووية، ورد واشنطن على تسلّح إيران نووياً. والخطر الآخر الذي سيكون من الضروري التصدّي له هو الانتشار النووي في الشرق الأوسط.
قد يحاول خصوم إيران في المنطقة اللحاق بها. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الدول تعمل على التسلّح نووياً لأسباب تتجاوز منطق العين بالعين؛ فدول كثيرة تحجم عن امتلاك أسلحة نووية حتى عندما يحصل عليها أعداؤها. أثار سعي الصين إلى امتلاك القنبلة النووية في ستينات القرن العشرين مخاوف من أن تحذو اليابان حذوها، لكن بعد نحو نصف قرن، لا تزال اليابان غير نووية. وعلى الرغم من أن إسرائيل تملك أكثر من مئتَي سلاح نووي، لم يسر جيرانها – ولا حتى مصر التي خاضت أربع حروب مع إسرائيل وخسرتها كلها – ولا القوى الإقليمية مثل السعودية أو تركيا، على خطاها. من شأن حيازة إيران القنبلة النووية أن تغيّر هذه الحسابات.
خلص مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي في تقرير صادر عام 2008 إلى أن "الإمكانات النووية المتزايدة لإيران مسؤولة جزئياً منذ الآن عن زيادة الاهتمام بالطاقة النووية في الشرق الأوسط". ويمكن أن تشكّل برامج الطاقة النووية أساس السعي إلى امتلاك أسلحة نووية. لكن لن يكون سهلاً لبلدان المنطقة الحصول على أسلحة نووية. فعدد كبير منها يفتقر إلى البنى التحتية اللازمة لتطوير أسلحته الخاصة والصواريخ الضرورية لإطلاق هذه الأسلحة. قد تصاب مصر وتركيا بالذعر أمام كلفة بناء ترسانة نووية. كان الباكستانيون مستعدّين لـ"أكل العشب" مقابل امتياز الانضمام إلى النادي النووي، بحسب العبارة الشهيرة للزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو، لكن ليس الجميع كذلك. وإذا وضعنا اعتبارات الكلفة جانباً، يحتاج الطامحون إلى امتلاك أسلحة نووية إلى سنوات لتطوير قدرات نووية خاصة بهم. فهم بحاجة إلى بناء مفاعلات نووية، والحصول على وقود نووي، وإتقان تقنيات التخصيب أو إعادة المعالجة، وصنع أسلحة ووسائل لإطلاقها. وبينما يحاولون القيام بذلك، ستكون أمام الولايات المتحدة ودول أخرى فرصة وافية لرفع فاتورة الانتشار النووي.
في الواقع، المصالح الاقتصادية والأمنية لمصر والسعودية وتركيا مرتبطة، خلافاً للمصالح الإيرانية، بالولايات المتحدة والاقتصاد العالمي الأوسع، ومن شأن تطوير أسلحة نووية أن يعرّض تلك المصالح للخطر. فمصر سوف تضع المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تحصل عليها من واشنطن سنوياً وتبلغ 0.5 مليار دولار، في دائرة الخطر؛ وسوف تعرّض السعودية الضمانة الأمنية الضمنية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة، للخطر؛ أما تركيا فسوف تصبح مكانتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مهدّدة. نظراً إلى الاستثمارات الواسعة للبلدان الثلاثة في الولايات المتحدة وأوروبا والروابط في مجال الأعمال، سوف تكون هذه البلدان أكثر هشاشة بكثير من إيران حيال أي عقوبات اقتصادية يفرضها القانون الأميركي أو يمكن أن يفرضها على الدول التي تمارس الانتشار النووي. قد تحاول الدول التي تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية تجنّب هذه العقبات التكنولوجية والسياسية عبر شراء الأسلحة بدلاً من صنعها. يشير حصول السعودية خلسةً على صواريخ باليستية متوسطة المدى من الصين في ثمانينات القرن العشرين، إلى أنه حتى البلدان التي تعتمد على الضمانات الأمنية الأميركية قد تحدّثها نفسها بأن تشتري طريقها إلى النادي النووي. على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تبيع القوى النووية الخمس المعترف بها إلى جانب الهند أسلحة نووية إلى دولة أخرى، يمكن أن يختلف الوضع مع باكستان وكوريا الشمالية. فللبلدَين تاريخ في تشجيع الانتشار النووي، ولباكستان علاقات قوية مع البلدان ذات الغالبية المسلمة. لكن بيع أسلحة نووية كاملة تترتّب عنه فاتورة سياسية باهظة. فقد تخسر باكستان المساعدات الخارجية الأميركية، وتدفع بالولايات المتحدة إلى التعاون عن كثب مع الهند، عدوها اللدود. ومن شأن كوريا الشمالية أن تعرِّض للخطر المساعدات الاقتصادية التي تحصل عليها من الصين، والتي يحتاج إليها النظام للبقاء في السلطة. إذا نجح شارٍ في إيجاد بائع، فسوف يكون عليه تفادي هجوم وقائي من جانب إسرائيل – وهو أمر محتمل إذا انكشفت عملية البيع قبل تشغيل السلاح – ثم مواجهة التداعيات السياسية والاقتصادية الدولية المحتومة (عام 1988، تجنّبت السعودية خلافاً كبيراً مع واشنطن حول صفقة الصواريخ التي عقدتها مع الصين عبر الموافقة على توقيع معاهدة حظر الانتشار والتقيّد بها). فضلاً عن ذلك، سوف يكون على أي بلد اشترى سلاحاً نووياً أن يقلق بشأن ما إذا كان يعمل فعلاً؛ ففي السياسة العملية، كما في الحياة اليومية، الاحتيال ممكن. وهكذا من شأن الحصول على سلاح نووي أن يزجّ البلاد في أسوأ وضع على الإطلاق: امتلاك سلاح لا قيمة له يمكن أن يتسبّب بهجوم على البلد المعني. إذا قرّر جيران إيران ألا يحاولوا حيازة أسلحة نووية، فقد ينتهجون المقاربة العكسية ويحاولون استرضاء طهران.
ولعل الدول التي ستظهر الميل الأكبر للاسترضاء هي دول الخليج الفارسي الصغيرة، مثل البحرين والكويت، المجاورة لإيران إلى درجة غير مريحة والتي تملك أعداداً كبيرة من الشيعة. من شأن هذا الانعطاف نحو إيران أن يُضرّ بالمصالح الأميركية في المنطقة. يتمركز الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، والقواعد العسكرية الأميركية في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة أساسية لإظهار القوة الأميركية وطمأنة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. لكن ما دامت هذه الحكومات تثق بأن واشنطن ملتزمة أمنها، لن تميل إلى استرضاء طهران. فمن شأن اتباع تلك الاستراتيجيا أن يعني التخلي عن الدعم الأميركي والوقوع تحت رحمة طهران. لكن في غياب ضمانة أمنية أميركية، سوف تكون لإيران الحرية كي تمارس في تلك البلدان النشاطات التخريبية نفسها التي سعت حكوماتها إلى تجنّبها من طريق استرضاء طهران. على الرغم من أن تسلّح إيران نووياً لن يعني على الأرجح نهاية الجهود الآيلة إلى وقف الانتشار النووي في أجزاء أخرى من العالم، إلا أنه سيتسبّب بلا شك بانتكاسة لمنظومة حظر الانتشار، إذ إنه سيُظهر أن القوى العظمى غير قادرة أو غير مستعدة للعمل جماعياً من أجل وقف العاملين على نشر الأسلحة النووية.
من جهة أخرى، تلتزم معظم الدول معاهدة حظر الانتشار لأن هناك أسباباً قومية موجبة تدفعها إلى القيام بذلك. فربما لا تشعر بأنها مهدّدة من قوة نووية؛ وربما تحتمي تحت المظلة النووية لدولة أخرى؛ وربما تفتقر إلى الوسائل المالية أو التكنولوجية لصنع قنبلة. لن يغيّر نجاح إيران في تطوير سلاح نووي هذه الحسابات. كما أنه لن يمنع واشنطن من مواصلة جهودها لتعزيز مبادرة أمن الانتشار (مجهود متعدّد الطرف بقيادة الولايات المتحدة أطلقته إدارة بوش للسعي إلى وقف الاتجار بأسلحة الدمار الشامل)، ووقف إنتاج مزيد من المواد الانشطارية، وتشديد القواعد العالمية المفروضة على تجارة المواد النووية، وفي ما عدا ذلك، جعل انتشار التكنولوجيات النووية أكثر صعوبة. من شأن حيازة إيران قنبلة نووية أن تؤدّي إلى نتائج كارثية في الشرق الأوسط. لكن سوف تكون لواشنطن فرص مهمة للتأثير في رد فعل الدول المجاورة لإيران على وضعها الجديد، وضبطه. والخيار الذي ستّتخذه واشنطن بطمأنة إسرائيل أو تغذية مخاوفها سيكون مهماً. وكذلك خيارها مواجهة جهود الانتشار الإقليمية أو التغاضي عنها، كما فعلت مع باكستان في ثمانينات القرن الماضي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى خيارها مواصلة الجهود لترسيخ منظومة معاهدة حظر الانتشار أو التخلّي عن الأمر. من أجل إبعاد السيناريو الكابوسي، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تفكّر ملياً في سبل زيادة نفوذها إلى أقصى حد في المنطقة.
المحظورات
طهران عدو يتكّلم بعبارات أيديولوجية، ويريد أن يصبح قوة إقليمية مسيطرة، وهو قادر على التصرّف بتهوّر. لكنها أيضاً عدو يعرف محدودياته، ويريد الإبقاء على سيطرته على السلطة، ويعمل وسط جيران حذرين. وهكذا فإن حيازتها القنبلة النووية أو اكتسابها القدرة على بناء قنبلة نووية لن يؤدّي بالضرورة إلى صنع الشرق الأوسط من جديد – على الأقل ليس إذا تصرّفت الولايات المتحدة بثقة وحكمة لاستغلال نقاط الضعف الإيرانية. يجب أن تبدأ أي استراتيجيا لاحتواء إيران بالإقرار بأن هذا المجهود يجب أن يختلف عن مجهود احتواء الاتحاد السوفياتي. تطرح إيران تهديداً مختلفاً. في السنوات الأولى للحرب الباردة، حاول صانعو السياسات الأميركيون حماية البلدان التي تلتقي مع الولايات المتحدة في التفكير، من اجتياح سوفياتي كان من شأنه أن يفرض الحكم الشيوعي، أو من تفكّك اقتصادي واسع النطاق كان من شأنه أن يؤدّي إلى سيطرة شيوعية من الداخل. وقد قضت استراتيجيته




















