تناقلت وكالات الأنباء الخبر التالي :
السلطات السورية تطلق سراح 36 سجينا سياسيا
(كلنا شركاء) 13/4/2010
(أطلقت السلطات السورية سراح 36 سجينا سياسيا خلال الأيام القليلة الماضية ممن يعانون من متاعب صحية، وذلك بموجب عفو رئاسي كان قد صدر في وقت سابق من العام الجاري.
وأشار بيان صادر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المفرج عنهم كانوا موقوفون أو محكومون على خلفيات سياسية اسلامية ويسارية وشيوعية وليبرالية من بينهم القيادي في حزب العمل الشيوعي حسن زهرا الذي اعتقل في 21/5/2009 والشاب انس الترك الذي سبق للمرصد أن طالب بالإفراج عنه كونه يعاني من اضطراب نفسي وعصبي.
وقال المرصد في بيانه أيضاً أن الإفراج جاء بموجب عفو رئاسي صدر بتاريخ 23/2/2010 والذي نصت الفقرة (ز) من المادة الأولى فيه على منح العفو عن كامل العقوبة المؤقتة أو عن العقوبة المؤبدة للمحكوم المصاب بتاريخ صدور هذا المرسوم التشريعي بمرض عضال غير قابل للشفاء. )
تلا الخبر إشاعات مكملة للإشاعات التي رافقت العفو أثناء صدوره , حول نية السلطات السورية في تبيض السجون من سجناء الرأي . أما أنا فقد أحبطني الخبر لأنه لم يشمل صديقي الأستاذ رياض سيف من بين المفرج عنهم كونه يعاني من مرض عضال مثله مثل المقرحي الليبي الذي خرج من السجن بسبب إصابته بنفس المرض مع انه ليس سجينا سياسيا .
وطريقة إصدار العفو ذكرّتني بسجن صيدنايا وملحق العفو الأخير فيه على عهد الرئيس الراحل والذي يشير بوضوح ان – لا جديد تحت الشمس في سوريا – يحضرني بهذا المجال موقف السجناء السياسيين حيال العفو المتعلق بالمرض العضال , فقد كان يشترك في اصدار القرار لجنتان احدهما صحية والثانية سياسية , فاذا كانت درجة المرض شديدة تغّلب القرار الصحي على القرار السياسي , واذا كان السجين قد راجع أفكاره في السجن واقر بصواب قرار القيادة "الحكيمة والشجاعة" يمكن الافراج عنه ولو لم يكن المرض قد تطور بعد .
الانقسام بيننا نحن السجناء كان حول محاولة السجين تضخيم مرضه من أجل الاستفادة من القرار وهل يجوز ذلك ام لا ؟
أظن وبعض الظن اثم . ان صديقي رياض رفض تقديم أوراق ثبوتية للجنة , ولو كان قد تقّدم بها لشمله القرار . وظني مبني على معرفتي الشخصية فيه . وبرهاني على ذلك موقفه الأخير الرافض تنفيذ قرار إدارة السجن الذي قضى بان يخرج السجناء السياسيين كغيرهم من السجناء الى زيارة أهلهم بلباس السجن , وقد اتصلت فور قراءتي الخبر بزوجته , وقلت لها انني فعلت نفس الشيء في أول زيارة لي داخل سجن تدمر العسكري .
(كانت زياراتنا في سجن كفر سوسة تتم بأريحية يحضر فيه من يشاء من الأهل والأقارب . اما في سجن تدمر فقد أصبحت نظامية تشمل أقارب الدرجة الأولى فقط , وفي أول زيارة لي في السجن الصحراوي فوجئت بوجود أخي واختي فقط في غرفة الزيارة , في حين لم يتمكن اولاد أخي من الدخول لرؤيتي لأنهم ليسوا من قرابة الدرجة الأولى . فما كان مني الا أن انسحبت من الزيارة احتجاجا . )
قلت لزوجة الأستاذ رياض : الآن أشعر أنني عذّبت أهلي بذلك السلوك, وهو يفعل الآن نفس ما فعلته .
غريب عجيب أمر القيادة السياسية على عهد الأسد الابن , فهي تصر على التعامل مع نشطاء الرأي في سوريا بنفس الطريقة السابقة مع أن الظروف قد تغيرت. وناشط سياسي مثل رياض سيف وفراس سعد وهيثم المالح وسواهم من المعارضين السياسيين لا يشكلون خطرا على سلطتها , ان لم نقل ان وجودهم كمعارضة سياسية خارج السجن يعدل ميزان القوى المختل في الشارع السوري لصالح اليمين المتزمت ( ولو قليلا وبالتالي يخدمها موضوعيا أكثر مما يخدمها وجودهم في السجن . )
روى لي الأستاذ رياض الحادثة التالية :
كان لديه معملا فيه ثلاثة وتسعين عاملا , وقد لاحظ مرة أن دورات المياه ليست نظيفة كما يجب , فقام بتنظيم لا ئحة تشمل العمال والإدارة تلزمهم بالتناوب على تنظيف المراحيض . وقد كان اسمه هو وابنته على رأس القائمة , ولم يستثني احد – سوى لواء متقاعد يعمل في الادارة احتراما لكبر سنه وتقديرا له – ولكن الضابط هدد بالاستقالة وأصر على ذلك حتى يدرج اسمه في القائمة . وهكذا كان – والتي نُظٍمت على حد قول الأستاذ رياض بحيث تشملهم جميعا أربع مرات في السنة تقريبا كل مرة يوم كامل يتفرغ فيه الشخص لتنظيف المراحيض .
الجدير ذكره انه مازال يفكر بنفس الطريقة وهو في السجن وهّمه ان تكون باحات السجن نظيفة . وفي كل زيارة تحمل له ابنته وزوجته أكياس النايلون وسلات المهملات ومواد التنظيف معها .
وليت مصيبة الأستاذ رياض قد اقتصرت على سلوك السلطة تجاهه . فحتى كثير من أبناء المعارضة تناولوه غمزا ولمزا قائلين : انه يقود تيار لبرالي جديد متأمرك , وقد وصلت وقاحة بعضهم الى ان أعلن صراحة ( بعد فوز خطه اللبرالي الجديد داخل اعلان دمشق على حد تعبيره ) انه ندم على عدم التشهير به لأنه أعطى دورا ايجابيا لاحتلال الأمريكان للعراق وقد منعه من ذلك وجوده في السجن آنذاك .
ووفاء وحبا مني بالأستاذ رياض وتضامنا معه في محنته الحالية رغبت ان اذّكر به وبقضيته التي ندر نفسه لها بإعادة نشر مقال لي كنت قد كتبته عنه في الأسبوع الأول من اعتقاله تحت اسم مستعار, لانني كنت آنذاك تحت رقابتهم الصارمة في مدينتي , وقد اكتشفت ان اغلب قراء المقال كانوا من رجال الأمن . ربما بسبب استشهادات مطولة لا يحتملها القراء ولذلك قمت بحذفها أملا أن يقرأ المقال من جديد اكبر عدد ممكن , وهذا كل ما استطيع فعله في هذه الظروف الحرجة .
……………………………………………………………………..
رياض سيف الرمز الجديد للشرعية الدستورية في سوريا
بقلم : ميمون الأعصم – دمشق
تشغل دمشق هذه الأيام حيزا كبيرا من اهتمام الدول العربية والإسلامية والعالمية , في الشرق الأوسط , يؤهلها لذلك موقعها الجغرافي وتاريخها الحضاري العريق , وبسبب ذلك التاريخ عرفت سوريا الحديثة في القرن العشرين صراعا مريرا حول أسلوب الحكم فيها وأيهما أفضل لها استناده على القانون أم على القوة ؟ والقانون يعني أن يتقيد رجال الحكم بالدستور الذي يسنه برلمان منتخب من قبل الشعب , وفيه تحديد للسلطات التشريعية والتنفيذية , والقوة تعني السلاح والسلاح بيد العسكر , وهذا يعني بصريح العبارة ان الحكم عبر القانون يستند الى المدنيين والحكم عبر القوة يستند الى العسكريين , ولكل من الجانبين فلسفته ومبرراته للحكم ’ فأصحاب نظرية القوة يقولون أن حكم القانون لايصح في بلد متخلف حيث انتخاباته تتيح للفقراء تحديد من سيركب على ظهرهم من الأغنياء كل أربع سنوات , وتسهل للأغنياء بقية الأيام نهب ثروات البلاد بما يسنه برلمانهم من قوانين لمصلحة المتنفذين في المجتمع , فضلا عن ان القانون في هذه الدول يوصل البلاد الى الفوضى , ويجعلها ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن كيانها الوطني بوجه الدول المجاورة , أما المدافعين عن حكم القانون فيرون فيه رغم كل سلبياته الطريقة الفضلى للتقدم والتطور وحل مشاكل البلاد بشكل سلمي .
تبلور الصراع في سوريا بين مدرستين فكريتين – مدرسة الشرعية الثورية وعمادها القوة ومدرسة الشرعية الدستورية وعمادها القانون – والانقلابات التي حصلت آنذاك
تلخص المسيرة المتأرجحة في سوريا بين القانون والقوة .
* انقلاب 29 أذار 1949 – حسني الزعيم – سلطة ديكتاتورية
* انقلاب 14 أب 1949 – سامي الحناوي – ازدواجية سلطة
* انقلاب13 كانون أول 1949 – أديب الشيشكلي – ازدواجية سلطة في البداية ثم ديكتاتورية عارية اضطرته لانقلاب ثان استلم فيه الحكم .
* انقلاب 25 شباط 1954 – مصطفى حمدون – ازدواجية سلطة
* انقلاب 28 ايلول 1961 – حيدر الكزبري – ازدواجية سلطة
* انقلاب 28 آذار 1962 – عبد الكريم النحلاوي – ازدواجية سلطة
* انقلاب 8 أذار 1963 – زياد الحريري – ديكتاتورية
* انقلاب 23 شباط 1966 – صلاح جديد – سلطة ديكتاتورية
* انقلاب 16 تشرين 1970 – حافظ الأ سد – شرعية ثورية .
استقر الحكم في سوريا عبر القوة بعد الانقلاب الأخير في عام 1970 بفضل التحالفات الذكية للسلطة في الداخل والخارج والتي ساندتها من خلال أيديولوجيا تبرر الانقلاب بحجة الشرعية الثورية . وقد مدتها تلك القوى بدستور مناسب يقوم على الديمقراطية الشعبية , ولكن الحياة قالت كلمتها أخيرا- على المستوى الكوني – في حكم القوة الذي انهزم أمام حكم القانون
واذا كانت كل مدرسة فكرية أو مرحلة سياسية تعبر عن نفسها بشكل مكثف عبر رمز يجسد صفاتها , فقد قدمت تلك التجربة رمزان معروفان في سوريا هما- خالد بكداش – كمعبر عن مدرسة الشرعية الثورية و – خالد العظم – كمعبر عن مدرسة الشرعية الدستورية , والسيرة الذاتية للرجلين تعبير مكثف عن مسيرة المدرستين الفكريتين في سوريا .
ان خالد بكداش المنحدر من حي ركن الدين الشعبي وابن الطبقات الكادحة , كان نصيرا لكل فقير ومظلوم فترة نهوض مدرسة الشرعية الثورية , تجلى ذلك بموقفه المبدئي حيال الوحدة السورية ورفضه حل حزبه , لأن الوحدة لاتحميها سوى الديمقراطية القائمة على التنظيمات الشعبية , ولكنه في فترة انحدار تلك المدرسة تحالف مع ديكتاتورية تعتبر المهزلة قياسا لدكتاتورية الوحدة التي تعتبر المأساة , وانتهى كما هو معروف الى اللهاث وراء السلطة للحفاظ على مكاسب هزيلة له ولحزبه ’ والأنكى من هذا , ان حزبه " الثوري " انتهى الى حزب بيرقراطي يُنظِر لتوريث السلالات في الحكم بحجة الخبرة التي يكتسبها قادة الأحزاب الثورية من خلال تربعهم على عرش السلطة .
أما خالد العظم , فهو سليل عائلة إقطاعية كما هو معروف
وقول أحد معارفه فيه ليس مجافيا للحقيقة – أم خالد العظم حملت به في سراي الحكومة وولد فيه , والحكم بالنسبة له كالماء بالنسبة للسمكة- وشهوة الحكم كانت وراء رجوعه الى الوزارة أكثر من مرة , كما أنه كان ضعيفا أمام جمال زوجته التي حولت داره في دُمّر الى صالة للقمار ’ مع ذلك يشهد له تاريخ سوريا بمحولاته الدءوبة لاستقلال قرارها السياسي وجعله وطنيا صرفا , وأنه ظل طوال حياته أمينا للقانون ومستعد للخضوع له ,ومقتنعا بان لا ديمقراطية اجتماعية من دون ديمقراطية سياسية . ان الأزمة الحادة التي تعيشها سوريا القرن الواحد والعشرين ليست سوى فصلا جديدا من فصول الصراع على أسلوب الحكم فيها بين أهل القوة وأهل القانون , والجديد فيها أن أهل القوة ظنوا أنهم انتصروا الى الأبد , فاذا بالتطور على المستوى العالمي يجعل كراسي الحكم تهتز تحتهم , لأن التاريخ يمهل ولا يهمل ’ فاستنفروا كل وسائلهم
الأيديولوجية القديمة والجديدة التي تقول ان حكم القانون لا يصلح في سوريا ويؤدي الى الفوضى , اما أهل القانون فقد تبرعموا من جديد بما يعرف اعلان دمشق , والذين يودون العودة الى جمعية تأسيسية منتخبة (على شاكلة الجمعية التأسيسية التي انتخبت في الخمسينات ) تشرع لدستور جديد هو استمرار لدستور سوريا القديم , ويودون انتقالا هادئا وسلميا وتدريجيا وآمنا تعود فيه سوريا كما كانت في الخمسينات , وجماعة اعلان دمشق كما بيّن مجلسهم الأخير غير حاقدين , ويرون في مرحلة حكم الشرعية الثورية أنها مرحلة كانت اكبر من سوريا ولا تتحمل سوريا وزر هذا الحكم لوحدها . لكن الحياة قالت كلمتها بالنهاية بالفم العريض : ان ما تعانية سوريا هو من استبدادها المزمن , والحل لمشاكلها الأخيرة يكمن بالعودة الى بيان الوزارة الأخيرة قبل حكم البعث الذي كان يرفع راية التلازم الذي لا انفصام فيه بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية
ولقد أفرزت المرحلة الجديدة رمزها المعبر عنها المتمثل بالأستاذ رياض سيف , كما كان لها الرمز المعبر عنها في الخمسينات والتي تمثلت بالمليونير الأحمر خالد العظم , والسيرة الذاتية للأستاذ رياض سيف تمثل الصيرورة الجديدة
رياض سيف احد أبناء الأسر الدمشقية الصناعية التي راكمت رأسمالها بجهدها وجدها وصبرها’ وقد بدأت شهرته في عالم الصناعة السورية مع نجاح تجربته في معمل القمصان الذي حمل اسما تجاريا بعنوان – ماركة 400 – ونجاحه في عالم الصناعة والمال قاده في التسعينات الى مجلس الشعب لمدة دورتين متتاليتين , رافعا فيه شعار الرئيس الراحل حافظ الأسد – لاأريد لأحد ان يسكت عن الخطأ ولا ان يتستر على العيوب والنواقص – وقد كانت الأمور في البداية سمنا على عسل ما دام يرفع شعار قائد المسيرة , ولكن اعتراضه على صفقة عقود الخليوي بداية القرن الواحد والعشرين والتي قال فيها تحت قبة البرلمان في آب 2001 ما يلي (( ان ما يضيع على الدولة خلال الخمسة عشر سنة القادمة يقدر ب (400 ) مليار يرة سورية )) كان بداية متاعبه الحقيقية كممثل لرأسمال وطني يريد التطور الاقتصادي الاجتماعي على قاعدة مختلفة عن قاعدة نهب البيرقراطيين للدولة في مثل هذه الصفقات , وقد قادته معارضته للصفقة واصراره على ذلك الى السجن . ومع ان السجن يحطم الروح والجسد , لكن لكل قاعدة استثناء , وهذا ما جرى مع رياض سيف حيث استفاد من تجربته داخل السجن , وطّور وعيه ومنظومته الفكرية وحدد خياراته السياسية بشكل نهائي داخل السجن عندما انتمى الى اعلان دمشق وهو خلف القضبان , واكمل طريقه بعد خروجه من السجن مباشرة وانتقد تجربته السياسية الماضية تحت عنوان – أوهام الديمقراطية في ظل الاستبداد – والذي جاء فيها ما يلي (( على هامش الانتخابات التي تجري راهنا وجدت من الضروري والمفيد عرض تجربتي الخاصة في مجلس الشعب وما عانيته وكابدته في سياق دفاعي عن حقوق الناس وعن وطن متطور ومزدهر وخال من القهر والفساد عسى ان تشكل معينا لكل الراغبين في التصدي للهموم العامة وتكشف واقع هذه المؤسسة وشكلية دورها ))
كان سلوكه السياسي الجديد وما تبعه من صعوبات ومشاق تحملها بصبر, مؤهِلا له في عيون المجلس الوطني الأخير ليُنتخب كرئيس لمكتب أمانة إعلان دمشق , وهو ما قاده الى السجن من جديد.
كامل عباس – اللاذقية




















