دمشق ـ «القدس العربي»: صدم حادث السير المفجع الذي وقع السبت، بين حافلتين لنقل الركاب على الطريق الواصل بين العاصمة دمشق ومدينة دير الزور، وأسفر عن مقتل 35 راكبا وإصابة 30 آخرين بجروح مختلفة، الشارع السوري عموما وأهالي منطقة الجزيرة بمحافظاتها الثلاث خصوصا، وسط غضب شعبي تجاه الأسباب القديمة الحديثة التي وقفت وراء كارثة سلطت الأضواء على ما كان يعرف تاريخيا بـ«طريق الموت».
خلل فني
الحادث وقع نحو الساعة الحادية عشرة صباحا بين حافلة ركاب مدنية قادمة من دمشق، اصطدمت وجها لوجه من جانب السائق مع حافلة أخرى تنقل عناصر من وزارة الداخلية في اتجاه العاصمة للالتحاق بدورة تدريبية، ومعظم الضحايا من أهالي ريف دير الزور الجنوبي.
ولم تعلن السلطات المختصة بعد نتائج التحقيق الرسمية التي أدت إلى وقوع الحادث، لكن معاون سائق إحدى الحافلتين، ويدعى محمد الحمادة، قال في تصرح لشبكة «سوريا الآن» بأن خللا فنيا مفاجئا تسبب في قفل مقود الحافلة بشكل كامل في اتجاه اليسار، ما أفقد السائق القدرة على التحكم بالمركبة وتوجيهها، وهو ما أدى إلى وقوع الكارثة.
وفي تصريح له نقلته قناة «الإخبارية» السورية أشار مدير الإعلام الحكومي في حمص سامر السليمان إلى تشكيل لجنة تحقيقات مشتركة بين الوزارات المعنية، حول أسباب وقوع الحادث بشكل تفصيلي وأكثر دقة، بهدف الوقوف على الملابسات كافة، وإجراء مراجعة عاجلة لواقع الطرق في البادية واتخاذ إجراءات سريعة، للحد من تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
وبيّن أنه من بين العوامل المحتملة التي أدت إلى الحادث وضع الطرق وضيقها وانتشارها وامتدادها في مساحات واسعة في البادية.
فيما اعتبر وزير النقل السوري يعرب بدر في بيان نشرته الصفحة الرسمية لوزارته عبر حسابها على «تليغرام» أن الحادثة تمثل فاجعة وطنية مؤلمة.
وقال إن طريق تدمر ـ دير الزور يعتبر من المحاور الحيوية التي عانت لسنوات طويلة من الإهمال وتراجع أعمال الصيانة خلال فترة النظام البائد قبل أن يستعيد دوره مع عودة الحركة وازدياد الغزارة المرورية للركاب والبضائع، مشيرا إلى أن وزارة النقل كانت قد أدرجت هذا الطريق ضمن أولوياتها، وأعلنت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية نهاية الشهر الفائت، عن استدراج عروض لإعادة تأهيله وتطويره، ضمن مبادرة حكومية تهدف إلى رفع مستوى السلامة وتحسين كفاءة شبكة الطرق، على أن تنتهي الأعمال خلال سنتين من تاريخه.
وأكد بدر على أن السلامة المرورية لا ترتبط بعامل واحد، وإنما هي منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، وجاهزية المركبات، والالتزام بقواعد المرور، وسلوك السائقين، والرقابة على النقل، مؤكدا أن الحد من الحوادث يتطلب العمل على جميع هذه المحاور بالتوازي، مع التأكيد على أهمية انتظار نتائج التحقيق الفني لتحديد الأسباب المباشرة للحادث المفجع لاتخاذ الإجراءات المناسبة على ضوئها.
وفي تعليقه على الحادث، رجح الصحافي بديع البطاح، وهو من أهالي مدينة دير الزور، صحة رواية العطل الفني باعتبار أن التصادم وقع من جهة سائقي الحافلتين، ما يعني أن أحدهما على الأقل لم يكن يتحكم بمقوده باعتبار أن سائقي الحافلات والسيارات عادة، وفي حوادث التصادم وجها لوجه، يسعون لإنقاذ أنفسهم بشكل لا إرادي، لكن في حادث السبت، راح السائقان ومن يجلس خلفهما، ضحية للتصادم.
وانتقد بطاح في تصريحه لـ«القدس العربي» محاولات إلقاء اللوم كله على مواصفات الطريق باعتبار أنه ضيق ومتهالك وليست عليه شاخصات مرورية، معتبرا أن هذا الكلام، وإن كان بعضه صحيحا، لكن الطريق وفي مكان الحادث تحديدا، وحسب الصورة المنشورة، يظهر بأن عرضه يزيد عن 12 مترا، وهي مسافة كافية للحافلتين باعتبار أن كلا منهما عرضها 2.5 متر، لكن ذلك لا يعني أن الطرق كله بهذا العرض، فهو يضيق أحيانا إلى أقل من عشرة أمتار، وهذا العرض بات قليلا بعد أن زادت كثافة الحركة على الطريق إن بسبب فتح باب الاستيراد للسيارات ورخص أسعارها، أو لسبب أن الطريق هو الوحيد الواصل من الحسكة عبر دير الزور إلى دمشق، إضافة إلى زيادة الحركة التجارية القادمة من العراق عبر معبر البوكمال جنوب دير الزور وخصوصا من صهاريج النفط التي يتم تصديرها عبر ميناء بانياس على الساحل السوري بعد أن يتفرع الطريق بعد مدينة تدمر إلى فرعين أحدهما في اتجاه حمص والساحل، والآخر في اتجاه الجنوب نحو العاصمة.
آخرها أسفر عن مقتل 35 وإصابة 30 … فتح تحقيق مشترك بين الوزارات
ومع ازدياد كثافة الحركة على الطريق الرابط بين الجزيرة السورية ودمشق، زادت الحوادث على طريق لطالما اشتهر بين العامة بأنه «طريق الموت».
وبين بطاح أن المسافة بين دمشق ودير الزور تصل إلى 460 كيلومترا، والرحلة تتضمن استراحة في تدمر لمدة نصف ساعة، إضافة إلى توقفات لدقائق قليلة على الحواجز القائمة عليه لتأمين حماية الطريق، وهذه يزيد عددها عن 6، ما يعني أن الرحلة تستغرق أقل من 4.5 ساعة من السير بمعدل يزيد عن 100 كيلو متر وسطيا، وهذه سرعة عالية وخصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن سرعة الحافلات تصل أحيانا إلى 140 كيلومترا، لتعويض أي تأخير على الطريق.
وأوضح بطاح أن سائقي الحافلات، وقبل أن يسقط النظام، كانوا يعتمدون على تهريب المازوت وبكمية تزيد عن 600 لتر في السفرة الواحدة نحو دمشق، إضافة إلى الاتجار بدواليبهم في محافظات الجزيرة بعد استبدالها في دمشق، ما كان يدر عليهم أرباحا بالملايين في السفرة الواحدة، لكن وبعد انتهاء الحالة الشاذة واستعادة الدولة كامل سيطرتها على أراضيها مع تنفيذ اتفاق دمج «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد» بمؤسسات الدولة السورية، توقفت تلك العمليات واقتصرت واردات أصحاب الحافلات، وهي قديمة على العموم، على أجور الركاب، ما دفعهم إلى تراجع اهتمامهم بصيانة سياراتهم، إلى جانب إصرارهم على السرعة لإنجاز أكبر عدد من الرحلات، فكانت هذه من العوامل التي أدت إلى زيادة الحوادث.
السائقون يتسابقون
واتفق العامل في حقول نفط دير الزور أبو أحمد زهدي، بما ذهب إليه بطاح تجاه السرعة الزائدة لسائقي الحافلات، وقال لـ«القدس العربي» إنه وبدلا من الالتزام بسرعة لا يجب أن تزيد عن 90 كيلومترا في الساعة على طريق لا فاصل فيه بين مساري الذهاب والإياب، وأضيق من أن يتحمل ضغط الحركة المتزايدة عليه، نجد أن سائقي الحافلات يتسابقون، وإن كانوا يحفظون تفاصيل الطريق، لكن المشكلة قد تكون من الطرف الآخر.
وأوضح أنه لم يكن قد وصل بعد إلى دمشق، حيث يقيم، عائدا من حقل العمر النفطي على الضفة الشرقية من نهر الفرات جنوب دير الزور، حين سمع بالحادث المفجع، مشيرا إلى أن بعض سائقي الحافلات يسيرون أحيانا بسرعات جنونية على طريق لا يخلو من الاهتراء نتيجة سنوات من عدم الصيانة الطويلة، والطريق كله غير مهيأ للرحلات الليلية، وما يزيد الكارثة استخدام معظم السائقين لأضواء الزينون، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ونسمع أخبارا عن حوادث مميتة تقع على الطريق.
وقال إنه كغيره من زملائه في العمل، كانت مناوباته في حقول دير الزور قد توقفت لسنوات، لكن الشركة السورية للنفط عادت لترسل عمالها الفنيين إلى الحقول بعد توقيع عقود جديدة مع شركات أمريكية لإعادة استثمار الحقول، وهذا ما جعلهم يعيشون رحلات الخطر هذه، فالطريق يضيق أحيانا إلى أقل من 10 أمتار ولم تحصل له أي صيانة منذ سنوات طويلة.
الباحث الاقتصادي، ابن دير الزور، حسين عماش، أكد بدوره أن طريق دمشق ـ دير الزور المنجز منذ نحو أربعة عقود، وفق طاقة استيعابية معينة حينها، يعيش اليوم حالة من الإهمال الكبير، فلا شاخصات ولا دلالات للسائقين، وهو غير مخطط ولا توجد عليه دوريات متحركة للطرق تلزم السائقين بتحديد سرعاتهم.
وقال عماش لـ«القدس العربي» إن كثافة الحركة على الطريق زادت بنسبة تصل إلى 500٪، وسابقا كنت لا تشاهد سيارة وأنت تسير عليه ربما كل خمس أو عشر دقائق، لكنك اليوم تشاهد السيارات تسير عليه بطوابير خلف بعضها البعض، من دون أي رقيب يسائل متجاوزي السرعة من أصحاب الحافلات او سيارات النقل الكبيرة. وبذلك فإن أسباب ارتفاع الحوادث يرجع أولا إلى الأخطاء البشرية وثانيا إلى الحالة الفنية للطريق.
وبين عماش الذي كان قد أسس جامعة الجزيرة الخاصة في دير الزور، أن من بين مساوئ الطريق هو ارتفاعه لنحو متر عن مستوى الأرض على طرفيه، ما يعني أن نزول أي سيارة مسرعة عن الطريق لأي سبب كان، تعرضها للانقلاب مباشرة، وهذا ما حصل لي شخصيا وحينها أنقذنا الله من موت محقق.
وأرجع أبرز أسباب كثافة الحركة على الطريق إلى ارتفاع حركة الهجرة من محافظات الجزيرة في اتجاه العاصمة، أو اللجوء إلى دمشق لتلقي العلاج أو الدراسة.
وأكد أن انهيار المنظومة الصحية والتعليمية في المنطقة دفع بالناس للقدوم إلى العاصمة من أجل عمليات كشف طبية وخصوصا لأصحاب الأمراض المستعصية من الأورام السرطانية أو عمليات القلب.
وتحدث عماش عن مدى سوء الحالة الاقتصادية للأهالي في محافظات الجزيرة بعد انقطاع معظم مصادر دخلهم، مشيرا إلى أن الهجرة من تلك المنطقة إلى العاصمة باتت اليوم أكثر من أي مرحلة مضت، ولا يمكن وقف هذا النزيف إلا بإعادة النظر بالسياسات الحكومية تجاه الاستثمار سريعا لتنمية المنطقة، مع دعم واضح للزراعة باعتبارها تكاد تكون المصدر الوحيد لدخل سكان محافظات الجزيرة الثلاث.
- القدس العربي


























