تتصدر عملية تشريع قوانين جديدة خاصة بالاستملاك والاستثمار وإعادة الإعمار، إلى جانب قوانين العدالة الانتقالية والمحاسبة، جدول أعمال مجلس الشعب السوري خلال المرحلة القادمة، لما تمثله من ضرورة ملحة لإنهاء حالة الفوضى والإشكالات القانونية، ومعالجة الضرر الذي لحق بالسوريين.
ومع التوجه الحكومي لتفعيل المشاريع العمرانية في سوريا، صار ملف الاستملاك الحكومي الجائر بذريعة التنظيم الحضري أحد أكثر الملفات الشائكة والمعقدة التي ورثتها المؤسسات السورية عن النظام البائد، لتتحول هذه المشاريع إلى ساحة نزاع قانوني واقتصادي واجتماعي، وسط مطالب شعبية بإلغاء القوانين التنظيمية القديمة.
وفي تقريرها الخاص بالوضع السوري، تحدثت منظمة إنترسوس الدولية للمساعدات الإنسانية، المعنية بتقديم المساعدات الطارئة وحماية المدنيين وضحايا الحروب، عن تزايد مشاكل الوثائق الإدارية المتعلقة بالملكية والوثائق المدنية والأراضي والمساكن بنسبة 61 في المئة، منذ سقوط نظام الأسد وحتى بداية 2026.
لجنة لإعداد قانون استملاك جديد
وبحسب أعضاء من مجلس الشعب السوري تواصلت معهم “المدن”، فقد بدأ العمل على دراسة القوانين المتعلقة بالاستملاك ومشاريع التنظيم العمراني والجمعيات السكنية التي تستحوذ على مساحات واسعة من الأراضي بموجب القوانين السابقة، فضلاً عن العقارات المغصوبة، دون تقديم تعويضات مناسبة، وهو الأمر الذي أدى فعلياً إلى تعطل الكثير من المشاريع، ووضع قيوداً ومعوقات أمام حركة الاستثمار العقاري وإعادة الإعمار، بسبب غياب القوانين الواضحة والتعويض العادل للملاك الأصليين.
وتؤكد مصادر برلمانية حساسية الملف وأهمية تشريع قانون واضح وجديد للاستملاك، بهدف تفنيد الإشكالات التي حملتها المراسيم والقرارات والقوانين السابقة، خاصة أن ذلك يمثل جزءاً من مشروع العدالة وجبر الضرر الذي لحق بالسوريين بسبب سياسات النظام البائد على مدى عقود، واستمرار تبعاته وتأثيره على التعافي الاجتماعي والاقتصادي.
وتوضح أن “المشروع يشمل الاستملاك والتنظيم العقاري والعقار الزراعي المشمول بالتوسع العمراني، وجميعها تخضع للجنة شُكلت لمتابعة القوانين، بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات المختصة، من وزارة الزراعة ووزارة الإدارة المحلية ووزارة الأشغال العامة والإسكان، إضافة إلى وزارة الدفاع التي تتمتع بحقوق تنفيذ مشاريع خاصة بالمجمعات السكنية العسكرية، والاستعانة بمسودات القوانين لدى الوزارات، قبل الشروع في صياغة القانون الجديد، الذي بدوره يُرفع إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لمراجعته قبل عرضه على الأعضاء“.
تعويض وإنهاء الأزمة
وتلفت أيضاً إلى أن التشريع الجديد يعمل على ضمان حقوق الملاك الأصليين، وإقرار آلية تعويض مناسبة، إن كان نقدياً أو عينياً، بموافقة المالك، إضافة إلى معالجة قضايا الملكية الشائكة والأملاك المغصوبة التي تحولت إلى مناطق سكنية بتسهيل النظام البائد.
وتوقعت المصادر أن يكون القانون جاهزاً خلال الربع الأول من العام القادم، بسبب تشابكه وتعدد الجهات المسؤولة، إضافة إلى وجود عوائق ومشاكل على الأرض، مثل أزمة الأملاك المغصوبة لأهالي معضمية الشام، وتحولها إلى أحياء سكنية يقطنها آلاف السكان اليوم، أو مشاريع التنظيم العمراني 66 جنوب دمشق، وغيرها من القضايا التي يجب دراستها.
توصيات قانونية
ويرى مدير المركز السوري للدراسات القانونية القاضي حسين حمادة أن قوانين التنظيم العقاري الصادرة في سوريا منذ عام 1979 وحتى عام 2018 قد “شكّلت إطاراً تشريعياً منحرفاً أُسيء استخدامه سياسياً، مما أدى إلى وقوع مظالم جماعية واسعة، وبالتالي فإن تحقيق العدالة يقتضي إصلاح هذه المنظومة بأثر رجعي، والعمل على إعادة الحقوق إلى أصحابها“.
وأشار إلى ضرورة إعادة النظر في جميع قوانين التنظيم والاستملاك، وعلى رأسها القانون رقم /26/ لعام 2000، والقانون رقم /23/ لعام 2015، والقانون 66 لعام 2012، والمرسوم 10 لعام 2018.
ويوضح أن “تطبيق هذه القوانين بصورة مخالفة أدى إلى انتهاك المادة (15) من الدستور السوري لعام 2012، والمادة (17) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لما ترتب عليه من سلب ملكية وتجاهل الحقوق وغياب آليات شفافة للطعن في المراسيم، وحدوث عمليات تهجير قسري“.
ويعتبر أن “ملف العقارات المستملكة ليس مجرد نزاع عقاري، بل هو اختبار أخلاقي وقانوني للدولة، يعد مدخلاً لإعادة بناء الثقة مع المواطن، وقدرتها على رد الحقوق، وأي عملية إعادة إعمار تتجاهل حماية الملكية الخاصة إنما تعيد إنتاج الظلم“.
ويقول: “مشاريع التنظيم بموجب المراسيم الجائرة تحتاج إلى معالجة قضائية وتشريعية وإدارية متكاملة، بما يضمن الحقوق للجميع والشفافية، وعدم تحميل أصحاب الأراضي والعقارات أعباء إنشاء المرافق العامة أو مخططات التوسع، وحرمانهم من حقوقهم لصالح مشاريع قامت على توصيات متنفذين، ساهموا في تعميم ونشر الفساد لمصالحهم الخاصة“.
- المدن























