في كتابه "الموجة الثالثة، التحول الديموقراطي في أواخر القرن العشرين" سعى هانتتجون إلى سرد وتحليل ظاهرة الانتقال الجماعيّ إلى الديموقراطية (فيما عرف بظاهرة "الموجات الثلاث"، والتي كان آخرها حركات التحول من النظام الشمولي إلى الديموقراطية) تلك التي اجتاحت العالم فيما بين عامي 1974 و1990، أي منذ احتدام أزمة النفط وما ترتب عليها من نتائج سياسية خطيرة وحتى تفكك الاتحاد السوفياتي انتهاء بانهيار النظم الشيوعية في أوربا الشرقية.
وبحسب هانتتجون؛ فقد بدأت الموجة الأولى مع نشوب الثورة الأميركية عام 1776، فيما بدأت الثانية في عقب الحرب العالمية الثانية. وهو بذا يتجاهل تماما الثورة الفرنسية ذلك لانها الأنموذج الأول لبدء التحول الديموقراطي مبررا ذلك بالقول: إن البداية الحقيقية للمؤسسات الديموقراطية القومية ظاهرة خاصة بالقرن التاسع عشر، وتحديدا عقيب اندلاع الثورة الأميركية.
وفي كل الأحوال، كان التحرك باتجاه الديموقراطية آنذاك ظاهرة عالمية. ففي خلال خمسة عشر عاما تحركت الموجة الديموقراطية عبر جنوب أوروبا واجتاحت أميركا اللاتينية، ثم اتجهت صوب آسيا مزعزعة الديكتاتوريات العسكرية فيما كان يسمى الكتلة الشرقية. ونتيجة لذلك، شهد العام 1990 وجود تسع دول من بين عشرتضم حكومات منتخبة ديموقراطيا. هذا وقد أدت التحولات الديموقراطية في أواسط الثمانينيات إلى إفراز موجة من التفاؤل بالنسبة لمستقبل الديموقراطية بحيث ينقل فرانسيس فوكوياما في مقاله "نهاية التاريخ" أنّ أكثر المحللين خلصوا إلى أنّ التفاؤل بشأن الديموقراطية له أسباب أكبر مما للتشاؤم الذي ران خلال العام 1975. كما أثارت تلك التحولات العديد من الجدل حولها لدرجة حاول معها علماء الاجتماع تفسير التحول عن الديموقراطية خلال الستينيات والسبعينيات بالإشارة إلى عدم ملاءمة الديموقراطية للدول الفقيرة ومزايا النظام الشمولي بالنسبة للاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي!!
لكن سرعان ما حوّل علماء الاجتماع أنفسهم اتجاههم حين لاحت في الأفق بوادر الموجة الثالثة نحو الكتابة عن شروط التحول الديموقراطي وإجراءاته ومشكلاته ما أدى إلى توسيع نطاق المعارف المتاحة عن عمليات التحول إلى الديموقراطية وفهم تلك التحولات. ثم نشأت في النصف الأخير لعقد التسعينيات من القرن المنصرم ردات فعل معاكسة تماما للحماس الاندفاعي نحو الديموقراطية ولسبل تعزيزها، والتي كانت قد ازدهرت إبان سنوات الذروة فيما سمي "بالموجة الثالثة" من تطور الديموقراطية ككتابات فريد زكريا وإدوارد مانسفيلد، وجاك سنايدر، وآيمي شوا وغيرهم.
أما بالنسبة لعالمنا العربي، فقد ارتبطت التحولات الديموقراطية فية بنوعين من التطور: يتركز الأول منهما في عالم النخب الحاكمة، والدولة بشكل عام. فيما يتعلق ثانيهما بالوعي الشعبي. فعلى المستوى الأول، أدركت النخب الحاكمة طبيعة المأزق أو الأزمة التي تواجهها والطريق المسدودة التي قاد إليها نظام واحدية السلطة، وعلى المستوى الثاني تحرر الجمهور كليا من سيطرة وأوهام العقائديات القديمة التي كانت تخضعه النظم بواسطتها.
ثم جاءت حرب الخليج الثانية عام 1991 لتقضي على تيار التحول الإيجابي الاستراتيجي والسياسي في المنطقة العربية، ولتضع حدا لاحتمال اتجاه العرب بصورة مطردة نحو التعاون والتفاهم الإقليمي. وتبعا لذلك تم القضاء على النتائج الإيجابية للانفراج الدولي في المنطقة وتغذية الخلافات العربية-العربية مجددا وتحويل الحقبة التالية من حقبة الانتقال التدريجي للمجتمعات العربية نحو الديموقراطية، إلى حقبة الحرب الأهلية المعمّمة والشاملة!
وقد أدى ذلك حتما إلى تأخير فرص الانتقال الديموقراطي في المنطقة، وزيادة أجل الحكم المطلق والتعسفي إلى أطول فترة ممكنة حتى يمكن القفز فوق الإرادة الوطنية والشعبية، والإبقاء على نمط العلاقات الدولية الراهنة، بخاصة ما يتعلق بتقسيم العمل الراهن داخل الأقطار العربية، وفيما بينها، ومن وراء ذلك بين المنطقة العربية ككل ومجموعة الدول الصناعية الكبرى.
وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ العالم العربي كان قد تأخر أصلا في مسيرة الانتقال الديموقراطي عن العديد من أقطار آسيا وأميركا اللاتينية، لأدركنا على الفور أنّ الجماعات التي تتأخر في إنجاز مَهمة تاريخية لا بد من إنجازها سرعان ما تفقد القدرة على متابعة مسيرة تطورها، وخسارة رهاناتها المستقبلية. وأكبر مثال على ذلك، فيما يؤكد برهان غليون، إفريقيا التي أدى إجهاض سيرورة تشكلها القوميّ إلى ما يشبه انعدام الأمل لديها في دخول مرحلة الإصلاح السياسيّ الذي يشكل مقدمة ضرورية للإصلاحات الاقتصادية، ولإعادة احتلال كل جماعة لمكانتها الجديدة في النظام الدوليّ.
فهل يمكن البرهنة على أنّ واقع العرب الموضوعيّ اليوم، بصرف النظر عن العوامل التي ساهمت في تكوينه، يتضمن الحد الأدنى من العناصر والإمكانات التاريخية التي لا يمكن من دونها الحديث عن الدخول في تجربة ديمقراطية؟!، وهل يسيطر الوعي العربي المعاصر على منطق هذه الظروف الموضوعية، ويملك من الرؤى والمصادر المعنوية المحفزة ما يجعله قادرًا على بناء مسيرة سياسية متسقة، قوية ومستمرة، تجسد النضال التاريخي من أجل الديموقراطية وتبديل قيم ونظم الممارسة السياسية فيه؟! تلك أسئلة تبقى للأسف الشديد في نظر الكثير من المحللين بلا إجابات واضحة!
() أكاديمي وباحث مصري
"المستقبل"




















