منذ صدور قانون الاستثمار رقم ( 10 ) قبل نحو عقدين من الزمن ، تستمر السلطات السورية بمناسبة وبدون مناسبة بالتغني بهذا الاستثمار وأهميته وفضائله والوعود الكثيرة التي يطرحها أمام الاقتصاد السوري ، بل الحياة العامة للشعب السوري بمجملها . حصل هذا عندما جرى تعديل ذلك القانون لجهة تحفيز الاستثمار وتشجيع المستثمرين وتسهيل الأمور أمامهم لدخول السوق السورية . كما حصل ويحصل في المهرجانات العديدة والمؤتمرات والمعارض والأسواق التي تقام باستمرار ، وتزدحم فيها أجندات المعنيين والمهتمين ورجال الأعمال . وكذلك في اللقاءات الدورية والخاصة للاقتصاديين السوريين مع نظرائهم في البلدان الأخرى والتي تتم خصيصاً لهذا الهدف في إطار المجالس المشتركة ، أو تقام على هامش زيارات القادة السياسيين من وإلى سورية استكمالاً لبروتوكولات التعاون مع الدول الأخرى . دون أن ننسى بالطبع الضجيج الإعلاني والإعلامي ، الذي يملأ الشاشات وأعمدة الصحف ولوحات الإعلان ووصل حد التخمة ، مهللاً لمشاريع الاستثمار الواعدة ، ومبشراً بأنهار اللبن والعسل التي ستفيض على السوريين من أفضالها !.
تقدر الأرقام الرسمية حجم الاستثمار في بلادنا بـ 300 مليار ليرة سورية . وتتحدث عن تخصيص 6800 منشأة لذلك، يتبعها 4000 أخرى قيد الإنشاء. كما تتحدث عن 137 منطقة ومدينة صناعية، أعدت لاستقبال المستثمرين ومشاريعهم في مختلف أنحاء البلاد . مثل هذه الأرقام الوفيرة والوعود السخية تعلنها لقاءات الاستثمار ومنتدياته ومؤتمراته، والتي يظهر انعقادها ، وانعقادها المتوالي والمستمر فحسب ، الحقيقة الأصلب في قضية الاستثمار .
غير أنه وبعد عقدين من جعجعة الاستثمار، وعقد كامل من مشاريع " التطوير والتحديث " المتنوعة الأشكال والألوان ، لم ترتسم في الحياة الاقتصادية معالم تثمير حقيقي أو استثمار فعال أو اقتصاد وطني ، يلبي الحاجات ، ويكون أحد معالم التنمية وواحدة من رافعاتها . ومثلما " يكذب الماء الغطّاسين " كذلك يفعل واقع الحال في السوق والأوضاع المعيشية للشعب . . .
فعن أي وضع استثماري جيد يتحدثون، في ظل تأزم حاد لمشكلة البطالة، وارتفاع كبير في نسبة الفقر، وازدياد عمالة الأطفال بشكل لافت ؟ !
وأين المؤشرات الاستثمارية الإيجابية على الاقتصاد السوري ، الذي ينوء تحت كساد ثقيل الوطأة ، وهبوط حاد في أرقام التصدير ، وانكماش بالغ في الطلب المحلي ؟ !
وكيف يستقيم الحديث عن حركة استثمار جديرة باسمها في ظل ركود اقتصادي غير مسبوق ، يلف البلاد وقطاعاتها الاقتصادية المختلفة الإنتاجية والإنشائية والخدمية ؟ !
وعندما تعلن الزراعة عن تأزمها العميق، والصناعة عن وضعها المأساوي الموزع بين التوقف عن العمل والهجرة من البلاد والانتقال إلى النشاط التجاري، فهل تتبقى فسحة لسماع حديث الاستثمارات ومحصولها ؟ !
لا حاجة بعد ذلك للإشارة إلى نسبة التضخم التي ترتفع، والقدرة الشرائية لليرة السورية التي تهبط، والقطاعات التي توقفت أمام الباب المسدود كقطاع البناء والتشييد، لأنها في المنظور اليومي للمواطن . وباستثناء قطاعي المصارف والتأمين اللذين كانا حكراً للدولة وحدها، وتم فتحهما للقطاع الخاص، لم يلحظ السوريون مؤشرات ذات شأن في الاستثمار، تلقي بظلالها على الاقتصاد السوري .
لا جدال بأن سورية تتمتع بمؤهلات كبيرة لتكون بيئة استثمارية جاذبة ومنتجة . فمن الموقع الاستراتيجي إلى الميزات والثروات الطبيعية ، ومن الخبرة التاريخية إلى الثروة البشرية ، مما يجعلها تحت دائرة الضوء الاستثماري في المنطقة . غير أنه يتضح اليوم – أكثر من أي وقت مضى – أن الاستثمار يتطلب كل ذلك وقبله المناخ المناسب ، أي بيئة استثمارية مشجعة . ولا تستطيع المراسيم والقرارات والتسهيلات الإدارية وحدها أن تصنع ذلك . فالنظام السياسي للبلد هو ما يبعث الاطمئنان في نفوس المستثمرين والمنتجين أو ينفيه . وبنيته وعقليته ونهجه هي ما يوجه مؤسسات الدولة وإداراتها ، ويحدد طريقة عملها وتعاملها مع الناس مواطنين ومستثمرين من داخل البلاد ومن خارجها . ولا يستطيع نظام سياسي شائخ، قائم على القمع والمنع والقيود وإرادة الحاكم، أن يحتضن مناخات استثمارية حديثة ، تتأسس على الحرية والمصلحة والمنافسة والتفاعل المشترك، وتنشأ في ظل الحياة الدستورية وسيادة القانون والقضاء المستقل النزيه والعادل .
ومع كل شمس تشرق على سورية ، تظهر أكثر فأكثر حاجة البلاد للإصلاح السياسي ، وتتحدد معالم مستقبلها بقدرتها على تحقيق ذلك بشكل سلمي وآمن ومتدرج وفي الوقت المناسب . لأنه البوابة الإلزامية التي تعبر من خلالها مشاريع الإصلاح الأخرى . وهذا ما يستمر النظام بتجاهله وتجنب الدخول فيه . وهو ما يشكل في الوقت نفسه حجر الأساس في برامج المعارضة ، ويحتل موقع الصدارة بين أهدافها ، وما نسميه في إعلان دمشق " التغيير الوطني الديمقراطي " .
نعم . . يبددون الجهود ، ويهدرون الطاقات ، ويطيلون عمر الأزمات . يضعفون مناعة البلاد ، ويعرضون الشعب لاستمرار المعاناة . و " لا بد من صنعا وإن طال السفر " .
1 / 5 / 2010
هيئة التحرير
"النداء"




















