القصة القصيرة جنس أدبي يصح وصفه بالسهل الممتنع , كثيرون يطرقون بابه وقلة قليلة يمكن أن تجيد فيه , والقصة بشكل عام تسلط الضوء على مساحة جغرافية أو تاريخية محددة في الزمان والمكان فتضيئها حسب موهبة ومهارة الكاتب .
بين يدي مجموعة قصصية للصديق العزيز الأستاذ عبد الحفيظ حافظ تضم بين دفتيها ستة عشر قصة قصيرة حمّلها أبو محمد همومه السياسية فانحنت تحت الحمل وأنّتْ من ثقله , لم يستطع الأستاذ المخضرم في السياسة ان يرتاح من عنائها قليلا ويسرح في فضاء القصة بدونها , ولو فعل ذلك لأمتعنا وأمتع نفسه أكثر على ما أعتقد .
جاء بين صفحاتها :
ص 7 :
المنطقة الخضراء اللعينة التي أصبحت ساحة حرب بين الحكومة وبين فصائل المقاومة .
ص9 :
لقد حلت قوات الاحتلال والمليشيات وأحزاب العمائم محل حزب السلطة ورجالها .
ص 11 :
أيها الحكام العرب أطلقوا سراح شعوبكم من اسر سجونكم .
ص 75 :
كيف يمكن تحويل العلاقة بين الدولة وبين مواطنيها من علاقة مبنية على العنف إلى علاقة مبنية على القانون ؟
ص91 :
كيف ينام الضمير العالمي عندما تبدأ إسرائيل مجازرها في فلسطين ؟
وليت الأمر اقتصر على التعبير فقط , بل تعداه ليحتل فضاء القصة كلها شكلا ومضمونا كما هي الحال في قصة – البائعة المتجولة – التي حملت المجموعة اسمها والتي تحمل الوجع العراقي بكل أبعاده . ومن يظن أن وجع الأستاذ الحافظ يقتصر على العراق فهو واهم لأن الأستاذ قومي بامتياز تشغله قضايا العرب جميعها وخاصة قضيتهم المركزية فلسطين . ولذلك حضرت فلسطين في المجموعة أكثر من العراق وتمت معالجتها من خلال قصتين بطولهما وهما قصة (حلم ) وقصة (الباص . غزة المصلوبة على أبواب هذا القرن اني أعتذر )
اما الاحتلال الفرنسي لأراضينا فقد ذكرنا الكاتب به مرارا .
ص 31 :
الجنود الفرنسيون يركضون خلفي يا أماه .
ص 33 :
كان الرجال منهمكين بتحميل ما أخذوه ليلا من القشلة الفرنسية.
ص34 :
داهم حمص خبر الكمين الفرنسي لثوارها المنطلقين لنجدة ثورة الدنادشة
ومن يظن ان وجع الأستاذ السياسي هو قومي فقط فهو واهم ايضا , ان وجعه الطبقي لا يقل عنه في القصة وقد افسد العديد من قصصها التي لولاه لعُدّ بعضها قصصا خالدة بامتياز. سأذكر من بين هذه القصص قصة الديك , وكم تمنيت لو حملت المجموعة هذا الاسم بدلا من قصة العراق
قصة الديك ذكّرتني برائعة تشيخوف القصصية والتي ترجمت تحت عناوين متعددة منها
– الحوذي صاحب العربة – وفيها يقوم صاحب العربة المتجول ببث همومه لركابه طيلة النهار بعد وفاة ابنه الوحيد ولكن لا احد منهم يلتفت إليه , وفي نهاية اليوم يقوم ببث همومه لحصانه فتدمع عيناه . قصة تشيخوف قالت فكرتها بقالب فني جميل : ان استبداد القياصرة في الإمبراطورية الروسية جعل الحيوان فيها أكثر إنسانية من إنسانها . اما قصة الأستاذ الحافظ فقد طرقت الموضوع بشكل آخر جميل جدا لا يقل جمالية عن تشيخوف , فإذا كان الإنسان يخاف من أخيه الإنسان في قصة الديك بسبب تفاوت وضع كليهما في الثروة والجاه والنفوذ ’ فان الحيوان لايعترف بهذا التفاوت ولا يهابه . لكن الصراع الطبقي داخلها حَّد من جماليتها . بهذا الخصوص لو أن صاحب الغرفة وابنه قد قبلا بالليرات الذهبية ثمنا للديك نتيجة فقرهم لكان ذلك أكثر واقعية , لكن الأستاذ عبد الحفيظ – ابن مدرسة الواقعية الاشتراكية – يصر ان ينهي القصة على طريقة رواية الأم التي تنتهي بحمل الأم لمناشير ابنها وتوزيعها بدلا عنه . أما أنا فإنني اعتقد لو ان مكسيم غوركي جعل الأم في روايته تلطم صدرها وتندب حظها وتحاول ثني ابنها عن المشي في ذلك الطريق الخطر لكانت قصته أكثر واقعية وديمومة وخدمة للقضية التي يحملها .
شوهت السياسة قصة المنقلة ايضا . ولو ان الكاتب اقتصر في تسليط الضوء على الغش الذي يحصل في المجتمع من خلال الغش في لعب المنقلة لجاءت قصته رائعة , لكن إصراره على إقحامها في السياسة افسد القصة .
انا بن بشراغي يا عزيزي أبو محمد , وبشراغي احتضنت ثورة الشيخ صالح العلي كما تعلم أكثر من قرية بيت ياشوط , لكن إقحام السياسة فيها يجعل بن بشراغي يعتب عليك فهو يعتقد ان الغش يصدر عن وجيه بيت ياشوط أكثر من وجيه بشراغي , ولو انك جعلته يقضي بين فلاحين اختلفا على مسالة ما بدلا من ان يقضي بين مختار مغتصب للأرض وبين فلاح فقير ص 23( لقد ادعى ان المختار اغتصب قطعة ارض له , أرض ورثها هو على تخوم قرية بْشيلي ) لهان الأمر , اما أن تتحدث عن الطبقية في القصة وعن السياسة في المجموعة وتجعل وجيه بشراغي بالذات غير مقبول للتحكيم لأنه يغش فذلك سيفسح المجال لإعطاء الغش بعدا سياسيا .
أفسدت السياسة قصة ( ابو حطب ) ايضا .
عرف طلاب ثانوية جبلة فلافل أبو حطب وعربته في أواسط القرن الماضي وقد كانت فلافله لذيذة الطعم حقا , يشهد على ذلك الحادثة التي جرت معي أوائل الستينات فقد زارتني والدتي وانا طالب في ثانوية جبلة , وقد كرّمتها انذاك بسندويشتين احدهما سندويشة كباب من مطعم البلّة والثانية فلافل من عربة ابي حطب وقد وجدت سندويشة الفلافل أطيب من سندويشة اللحمة وظنت انها مصنوعة من مادة أغلى من اللحمة فعتبت علي لتبديد فلوسي .
ربما كان ابو حطب فلسطينيا ونازحا من عام 1948 مما جعل نكهة فلافله مميزة كما تقول القصة . لكن إعطاء الأستاذ الحافظ للقصة بعدا سياسيا معاصرا اضعف القصة على ما اعتقد انتهت القصة كما يلي ص 104
في ظلام الليل أسرّ من يثق به أبو حطب :
* ان شركة سياحية تقدمت بعقد استثمار لتشيد في ساحة الشهداء برجا …
في اليوم الثاني احتشد جمع غفير من أبناء البلدة حول العربة , فاقبل رجال الشرطة تتقدمهم الجرافة , ويتقدم الموكب المهندس رئيس البلدية , فترك ابو حطب عربته وابتعد بصمت .
اما قصة (الهريسة ) وما تحتوي علبتها من منشورات تختفي تحت طبقات قطع الهريسة فلم ترق لي شخصيا والسبب ان القصة حملت تاريخ 16/2/2009 ولا إشارة فيها عن تقادم زمن القصة وهو ما جعلني أتخوف من ان يكون الأستاذ يروج لهذا الشكل من النضال القديم ونحن في عصر جديد علينا الترويج للعلنية بدلا من إخفاء المنشورات في علب الحلوى !؟
أخيرا أريد ان اهمس في أذن الأستاذ الحافظ عاتبا :
لماذا تحدثت قصصك عن الاستعمار الغربي لبلادنا سواء تجلى ذلك في احتلال فرنسا لسوريا وأمريكا للعراق واسرائيل لفلسطين ولم تتحدث بكلمة واحدة عن الاستعمار العثماني الذي جثم على صدرنا أربع قرون . مما جعلني أرى وكأّن المجموعة تساير الأقلام التي تتحدث عن شهداء السادس من أيار هذه الأيام بوصفهم عملاء للغرب أرادوا إضعاف العثمانيين وهم في عز نضالهم ضد الاستعمار الغربي ! وهاهم عادوا ليقودوه وعلى المناضلين العرب الا يقعوا في الفخ من جديد .
كامل عباس – اللاذقية




















