بعد واحدة من أكثر الانتخابات احتداماً في عقود، تواجه بريطانيا ورطة سياسية مع "برلمان معلق" لا يتمتع فيه أي من الاحزاب بالغالبية المطلقة في مجلس العموم المؤلف من 650 مقعداً، على رغم المكاسب الكبيرة التي حققها المحافظون بزعامة ديفيد كاميرون، والخسارة التي مني بها حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء غوردون براون.
فمع انتهاء فرز الاصوات، فاز المحافظون بالعدد الاكبر من المقاعد 306 مقاعد، في مقابل 258 مقعداً لحزب العمال و57 لحزب الديموقراطيين الليبيراليين، من اصل 650 مقعداً، الامر الذي يضع حداً لـ13 سنة من حكم حزب العمال تخللها الكثير من الفوضى، ولكن من دون الانتهاء الى رؤية واضحة للمستقبل.
وجمعت أحزاب أخرى مثل الحزب الوطني الاسكوتلندي والقوميين الويلزيين 28 مقعداً. وحقق حزب الخضر انجازاً سياسياً تاريخياً بفوزه بأول مقعد له في مجلس العموم عن مدينة برايتون الساحلية في جنوب انكلترا.
وفيما تستعد البلاد لأيام من المساومات لتأليف حكومة جديدة، بدأ حزبا العمال والمحافظين يتوددان للديموقراطيين الليبراليين الذين حلوا في المركز الثالث، للاتفاق معهم على ائتلاف.
كاميرون
ووجه كاميرون ما وصفه بأنه "عرض كبير ومفتوح وشامل" لزعيم الديموقراطيين الليبراليين نيك كليغ، ساعياً الى دعمه إما لحكومة أقلية محافظة، وإما لائتلاف رسمي.
وقال إنه سيبدأ محادثات مع كليغ ليستكشف ما اذا كان في مقدور الحزبين التوصل إلى اتفاق ليحكما معاً. وأبرز الحاجة الماسة الى معالجة العجز القياسي للموازنة البالغة نسبته 11 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وإعادة الطمأنينة الى الاسواق المالية، لافتاً الى أنه يرى أرضية مشتركة في مجالات كثيرة مع الديموقراطيين الليبراليين، وهو ما اعتبره أساساً لحكومة قوية. وقدم بعض التنازلات، ولكن بلا ضمانات، في شأن إصلاح النظام الانتخابي والنظام الضريبي، وإن يكن أبدى تمسكه بموقفه من رفض نقل أية سلطات إضافية من لندن الى الاتحاد الاوروبي، وتعهد الحفاظ على القدرات البريطانية للردع النووي.
براون
أما براون، فأشار الى أنه لن يتنحى فوراً، على رغم خسارة حزبه الغالبية، مع فقدانه 91 مقعداً على الاقل في مجلس العموم، وجمع المحافظين 97 مقعداً اضافياً، الا أنه أبدى استعداده لاجراء مفاوضات مع كليغ، اذا فشلت المفاوضات بين الاخير والمحافظين، مستنداً الى مقاربة مشتركة للأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد وللاصلاحات للنظام الانتخابي التي يصر عليها الديموقراطيون الليبراليون.
وقال: "أتفهم وأحترم كثيراً موقف كليغ عندما يأمل في الاتصال أولا بزعيم حزب المحافظين"، مشيرا الى الطابع "العادي لنتيجة الانتخابات". وأضاف: "من واجبي كرئيس للوزراء أن أتخذ كل الخطوات لضمان تأليف حكومة قوية ومستقرة". وأعلن أنه طلب من الموظفين العامين الكبار مساعدة كل الاحزاب في محادثاتها للوصول الى مخرج من المأزق الذي دخلت فيه البلاد، وهو الاول من نوعه منذ 1974.
كليغ
ولئن كان الديموقراطيون الليبراليون قد أخفقوا في تحقيق المكاسب التي كانوا يتوقعونها، فانهم لا يزالون قادرين على الاضطلاع بدور محوري في المفاوضات بين الاحزاب لتأليف حكومة جديدة. وهم خطوا الخطوة الاولى في هذا الاتجاه صباح أمس عندما رأى زعيمهم ان "الاولوية" في تأليف حكومة جديدة تعود الى المحافظين الذين تصدروا الانتخابات.
وأبلغ الصحافيين أمام المقر العام لحزبه في لندن: "سبق لي أن قلت إن أي حزب يحصل على أكبر عدد من الاصوات أو المقاعد، حتى وان لم يحصل على الغالبية المطلقة، له أولوية في السعي الى حكم البلاد إما منفرداً واما من طريق التحالف مع أحزاب اخرى، ولا أزال عند موقفي هذا". وأضاف: "أعتقد أنه يعود الآن الى حزب المحافظين أن يثبت أنه قادر على حكم البلاد في خدمة المصلحة العامة".
وقال أليكس سالموند زعيم الحزب الوطني الاسكوتلندي الذي فاز بستة مقاعد، إنه تلقى دعوة من براون للتفاوض.
وفي غياب دستور مكتوب، درج العرف على أن يحاول رئيس الوزراء المنتهية ولايته، تأليف حكومة، إلا اذا اعتبر أنه لا يستطيع أن يفعل فيستقيل. كذلك، يمكن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الاصوات، كالمحافظين في هذه الانتخابات، أن يؤلف حكومة أقلية.
وقد أربكت نتائج الانتخابات، على رغم أنها كانت مرجحة، أكثر السياسيين البريطانيين خبرة.
وقال كبير استراتيجيي حزب العمال بيتر ماندلسون إن "الناخبين قلبوا صفحة، الا أنه ليس واضحاً ما هو الفصل الجديد الذي يريدون فتحه".
وأرخت الشكوك بثقلها على الجنيه الاسترليني الذي تراجع الى 1,46 إزاء الدولار، وهو مستواه الادنى في سنة تقريباً.
وشهدت الانتخابات نسبة مقترعين مرتفعة 65,1 في المئة، لكن عيوباً شابتها. فقد أعلنت اللجنة الانتخابية "تحقيقاً معمقاً" في عدم تمكن مئات الناخبين من التصويت بسبب الصفوف الطويلة امام مكاتب الاقتراع.
في أي حال، أظهرت النتائج الانتخابية تحولاً قوياً من حزب العمال الى المحافظين في شمال انكلترا الذي كان معقلاً للعماليين طوال عقود. كذلك، أظهرت نتائج أولية تحولاً مماثلاً في وسط انكلترا وجنوبها، بيد أن الصورة العامة شابها بعض الخلل، مع عدم تحقيق المحافظين المكاسب المتينة التي يحتاجون اليها في البلاد كلها، وتسجيل حزب العمال أداء أفضل من المتوقع في بعض المناطق، وخصوصاً في اسكوتلندا.
ولعل المفاجأة الكبرى كانت النتيجة السيئة للديموقراطيين الليبراليين الذين فشلوا في تحقيق الاختراق الكبير الذي توقعه كثيرون بعد الاداء المميز لكليغ في المناظرات التلفزيونية الثلاث التي كانت محور الحملة الانتخابية.
(و ص ف، رويترز، أ ب)




















