لا يعدو "النداء الى التعقل" الذي جمع أربعة آلاف توقيع لشخصيات يهودية يسارية اوروبية، كونه حلقة من حلقات الضغط الخارجي على اسرائيل كي لا تفوت الفرصة المتاحة لها الان للتوصل الى تسوية دائمة مع الفلسطينيين من طريق قبول "حل الدولتين".
"النداء" في مضمونه محاولة لإنقاذ اسرائيل من نفسها وإن حوى عبارات فيها ادانة للسياسة التي تتبعها الحكومة الاسرائيلية المتشددة برئاسة بنيامين نتنياهو. كما ان توقيت صدوره تزامن مع الضغط الذي يمارسه الرئيس الاميركي باراك اوباما من اجل دفع المفاوضات غير المباشرة الى الامام.
إلا ان الانطباع الاول الذي تركه "النداء" في اسرائيل كان الرفض المطلق له طبعاً باستثناء بعض الشخصيات اليسارية العديمة التأثير على القرار الاسرائيلي في ظل تنامي التطرف داخل الدولة العبرية. واجتمعت الحكومة والمعارضة على وصف "النداء" بـ"الخطير".
طبعاً ليس "النداء" هو المحاولة الاولى التي تقوم بها جماعات يهودية في الخارج من أجل حمل اسرائيل على عدم تفويت فرصة التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين، اذ سبقته محاولة من يهود الولايات المتحدة عبر الحركة التي أطلق عليها "جي ستريت" في مقابل منظمة "إيباك" التي تشجع الحكومة الاسرائيلية على التطرف وعدم القبول بالضغط الخارجي والاستمرار في سياسة الاحتلال والاستيطان.
وقبل ان تظهر "جي ستريت" كان تقرير القاضي اليهودي الجنوب افريقي ريتشارد غولدستون عن الحرب في قطاع غزة. وعلى رغم ان التقرير تضمّن عبارات تشجب العدوان الاسرائيلي على القطاع، وطالب حكومة نتنياهو بالتحقيق في جرائم حرب ارتكبها الجيش الاسرائيلي خلال هذه الحرب، إلا انه في مضمونه كان محاولة لإنقاذ اسرائيل من المضي في طريق التدمير الذاتي.
وعبثاً حاول غولدستون ان يدافع عن يهوديته وعن حبه لاسرائيل في مواجهة الحملات التي تعرّض لها وبينها دعوات الى القتل، وآخرها "نبش" صحيفة "يديعوت احرونوت" ماضي هذا القاضي لتقول إن في سجله 28 توقيعاً بالاعدام على أشخاص سود في جنوب افريقيا ابان حكم نظام الفصل العنصري. والهدف من ذلك هو تشويه سمعة القاضي الذي تجرأ على القول بان الجيش الاسرائيلي ارتكب جرائم حرب.
ومن غير اليهود، ثمة امثلة على أشخاص حاولوا ان يقسوا على اسرائيل بانتقاداتهم بدافع حبهم لها. وبين هؤلاء الرئيس الاميركي سابقاً جيمي كارتر الذي طلب الصفح مرتين من اليهود عما جاء في كتابه الذي وصف فيه ممارسات الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بانها ممارسات ترقى الى الفصل العنصري بحق الفلسطينيين. لكن يبدو ان طلب الصفح لا يلقى استجابة حتى الان، علماً ان افضال كارتر على الدولة العبرية لا تحتاج الى براهين وابرزها معاهدة كمب ديفيد التي أخرجت مصر من الصراع العربي-الاسرائيلي.
وتشكو اسرائيل كثيراً هذه الايام من تعرضها لحملة دولية هدفها نزع "شرعيتها". وهي تعتبر ان اوباما في مقدم هؤلاء لانه يريد من الحكومة الاسرائيلية تجميداً موقتاً للاستيطان كي يختبر النيات الفلسطينية والدول العربية في السلام وليس من باب المعارضة المبدئية للسياسة الاسرائيلية.
لكن رغبة اوباما تواجه بحملة قوية في اسرائيل، والمستوطنون يعتبرونه "العدو الاول" لهم ويطلقون عليه "حسين اوباما" للدلالة على انحيازه الى الفلسطينيين.
ان حكومة مثل تلك الموجودة في اسرائيل اليوم، لا يمكنها ان تتخذ قرارات في حجم ما تتطلبه التسوية الدائمة مع الفلسطينيين. وربما ادراكاً لهذا الامر، يحكم نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي دان ميريدور على المفاوضات مع الفلسطينيين بالفشل قبل ان تبدأ. وقد يكون ميريدور الاقل رياء بين حكام اسرائيل، وان كان رمى بمسؤولية الفشل على الجانب الفلسطيني.
"النهار"




















