زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف لسوريا وتركيا في الأسبوع الماضي من حيث التوقيت و الدلالة والنتائج، هي زيارة تاريخية وهامة بمقاييس كثيرة، إذ أنها تاريخيا هي الزيارة الأولى لرئيس روسي إلى دمشق بعد الزيارات الثلاث للرئيس السوري بشار الأسد مابين عام 2005إلى عام 2008.
ورغم ارتفاع مستويات الوفود الزائرة بين البلدين دون انقطاع طويل ورغم العمق التاريخي للعلاقات السورية الروسية التي بدأت في منتصف الأربعينات عقب استقلال سوريا عن فرنسا وحافظت على استمرارها حتى اليوم رغم المتغيرات المختلفة.
وهي أيضا زيارة بالغة الأهمية في هذا التوقيت بالذات الذي يشهد تراجعا أميركيا كبيرا في الحوار مع سوريا، إلى حد الضغط الصهيوني والجمهوري على الإدارة الأميركية لعرقلة إيفاد السفير الأميركي، ولينتقل الخطاب الأميركي من الرغبة في الانفتاح على سوريا إلى التبعية السياسية لإسرائيل في سلسلة من الضغوطات والتهديدات.
بدءاً بترديد الاتهامات والمزاعم الإسرائيلية الكاذبة بشأن تسليح المقاومة اللبنانية، ومرورا بتمديد العقوبات الأميركية على سوريا، وانتهاء بتوجيه التحذيرات والتهديدات إلى سوريا فيما بين دخان الحرب وضباب السلام.
والدلالة أكثر من واضحة لهذه الزيارة في الزمان والمكان ،إذ يبدو العنوان الرئيسي هو «التقدم الروسي في الفراغ الأميركي»..
فبينما تفقد واشنطن مصداقيتها تدريجيا لدى شعوب المنطقة العربية والإسلامية بعد تآكل الرسائل السياسية والوعود الأوبامية بالتغيير الأميركي في السياسات والآليات باتجاه مواقف أقل انحيازا لإسرائيل وأكثر توازنا في التعامل مع قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتحاول بتهديداتها لسوريا العربية ولإيران الإسلامية بالعصا بدلا من تلويحها بالجزرة التغطية على الفشل الأميركي في إلزام إسرائيل بوقف الاستيطان، والتحدي الإسرائيلي لها وإحراجها في أكثر من مطلب وموقف.
وأيضا وللتغطية على المأزق الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي سواء في جرائمها ضد الإنسانية في غزة التي سجلها تقرير غولدستون الأممي،أو في فضيحة جريمتها الدولية في دبي التي تم ضبطها فيها متلبسة، أو في فضح العرب والمسلمين لملف سلاحها النووي في نيويورك.
تستعيد روسيا تدريجيا تأثيرها ودورها في الشرق الأوسط بمواقف أكثر توازنا وأقل انحيازا تجاه قضية الصراع العربي الصهيوني،ويكفي أن روسيا التي تتحاور مع كل الأطراف في الشرق الأوسط لم تستثن من ذلك الحوار لا حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين ولا حزب الله في لبنان، بل حرص رئيسها ميدفيديف خلال زيارته لسوريا على عقد لقاء مع خالد مشعل الزعيم السياسي لحركة حماس بحضور الرئيس الأسد في رسالة ذات مغزى.
وذلك ما يغضب بالقطع كلا من إسرائيل وأميركا، خصوصا وأن الغضب الأميركي الإسرائيلي من سوريا قد ازداد حدة بعد اللقاء الثلاثي بين الرئيس نجاد والرئيس الأسد وحسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني في دمشق أيضا، كما يأتي بعد لقاء ثلاثي سوري قطري تركي في أنقرة التي توجه إليها الرئيس الروسي قادما من دمشق.
الموقف الروسي تجاه ما هو عربي وإسلامي يختلف بالقطع كثيرا عن الموقف الأميركي إذ يقوم على الحوار والتفاهم والتعاون والدعم، لا على الإملاء والضغط والتهديد والوعيد، والموقف الروسي لا يحتل اليوم دولة عربية ولا إسلامية مثلما تحتل أميركا العراق العربية وأفغانستان الإسلامية وحلفها الاستراتيجي مع إسرائيل عدو الشعوب العربية والإسلامية لا يتزعزع.
وإن بقي علي السياسة الروسية لدي شعوب المنطقة العربية والإسلامية بعض الملاحظات سواء فيما يتعلق بنمو العلاقات و النفاذ الإسرائيلي في السياسة والإعلام الروسي وتأثير ذلك على تذبذب الموقف الروسي من تسليح سوريا وإيران بصواريخ س 300، والتماهي النسبي مع أميركا في مسألتي الصمت عن الترسانة النووية الإسرائيلية والصياح على الملف النووي الإيراني.
تصريحات ميدفيديف في زيارته التاريخية لسوريا اليوم، ربما أعادت إلى الأذهان بعض مشاهد العلاقات التاريخية السوفيتية العربية الأكثر إثارة وحرارة، سواء في معركة بناء السد العالي أو ضد العدوان الثلاثي على مصر بالإنذار الروسي الشهير، لكن العالم تغير مثلما تغيرنا نحن أيضا!
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com
"البيان"




















