جاء موت المفكر العربي الكبير، صاحب رباعية "نقد العقل العربي" مفاجئاً، ليس لأنه لم يكن متوقعاً، فالأعمار بيد خالقها، ولكن لأن الفكر العربي والإسلامي ما يزال في حاجة إلى من يجتهد في قضاياه، ويجدد أمورَه، وما أكثرها، من عِيار د.محمد عابد الجابري، الذي كرَّس نصف قرن من حياته، يبحثُ في التراث، يحاورُه، ويُسائِل العقلَ المنتِج له. ففي يوم الاثنين الرابع من أيار/ مايو 2010 نعى المغاربة، ومعهم العرب المسلمون رحيلَ مفكر فذّ، امتدَّ عطاؤُه الفلسفي، واكتسحَت حفرياتُه في طبقات التراث عمومَ الوطن العربي، والأكثر حظيت اجتهاداتُه النقدية، المنتصِرة للتنوير والحداثة، باحترام وتقدير كبيرين، من قبل مجمل مدارس الفكر العربي وتياراته.
تطفحُ سيرتُه الذاتية "حفرياتُ الذاكرة"، الصادرة قبل سنوات، بمعطيات دالّة عن عِصامية الرجل، واستماتَتِه في البحث عن معنى الوجود، والأشياء، والإشكاليات التي تُؤرق الفكر العربي، وتحول دون تطور دوله ومجتمعاته. فقد بدأ الجابري، في مستهل مساره الفكري، مغربياً مهتماً بقضايا التربية والتعليم، يحلل دورَ المدرسة ووظائفَها، ويعرّي النقائصَ التي تعوق عملية التكوين والمعرفة (1973 ـ 1979)، ليعانقَ بعدها المجالَ العربي من زاوية نظرة هذا الأخير إلى ذاته، أي خطابُه عن نفسه (نحن والتراث: 1983/ والخطاب العربي المعاصر: 1994)، وقد قادته إشكالية التراث والرؤية الواجِبة للاجتهاد في متنه إلى بناء مشروع فكري ضخم نقد العقل العربي"، شغل المشرق والمغرب معاَ، وأسالَ مدادَ التأييد والمناصرة، والنقد والاعتراض، والقسوة التي وصلت درجة التجريح أحياناً، غير أن قيمتَه تكمن في تحويل صاحبه إلى مصدر لا غنى عنه في فهم آليات اشتغال تفكير العرب والمسلمين، علماً أن باحثين آخرين سعوا بدورهم إلى الحفر في مفهوم "العقل"، وتوظيفه، وترتيب نتائج لتفسير مصادر عَطَل وتوقف سيرورات التطور في المجال الاجتماعي والسياسي العربي، من قبيل "محمد أركون"، و"ج. طرابيشي"، و"عبد الله العروي"، وغيرهم من المفكرين العرب.
ينطلق المشروعُ الفكري الأول للجابري من خاتمة عمله حول التراث، وتحليله الخطاب العربي المعاصر، أي ضرورة الانفصال عن التراث وإعادة الوصل معه نقدياً. لذلك، شدد على ضرورة "تشييد عهد تدوين جديد"، لا يُلغي التراثَ، أو يتنكر له، أو يقوضُه ليؤسس آخر جديداً، بل يتوجب الحفر في طبقاته لمعرفة طريقة تشكّله، وبعدها نقده، وإعادة صياغته، بتحرر، واستقلالية، ومن دون سلطان مناهج التفكير المستعارة من خارج "العقل العربي" نفسه، أي ما طالب به في خاتمة كتابه "الخطاب العربي المعاصر" بقوله: "من أجل الاستقلال التاريخي للذات العربية". فهكذا، استغرق الجابري جزءاً يسيراً من حياته لكتابة رُباعية مشروعه الفكري تحت عناوين دالة يجمعها خيط ناظم: تفكيك بنيات العقل وإعادة تركيبها وصياغتها، وقد أصدر بالتتابع: تكوين العقل العربي، ونقد العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي. إن قارئ هذا العمل الضخم يُدرك، من دون شك، المجهود الكبير الذي بذله صاحبه في الغوص بعيداً في أعماق التراث، ليس من زاوية التأريخ والسرد والتوصيف والاستطراد في الجزئيات والتفاصيل، التي غالباً ما ترهق القارئ وتبث فيه روح الملل والنفور من فهم التراث، ولكن من باب فحص المصادر، وتفكيك بنياتها، والكشف عن المتحكِّم في تشكلها، والسعي إلى إعادة بنائها في ضوء أسئلة الواقع، أي من زاوية الأسئلة التي تعترض الأمة وتطرحها باستمرار، وتلك ميزة وسِمت الجابري، الذي تأرجح بين الفكر والسياسة، وحتى حين هجر السياسة في بُعدها التنظيمي الحزبي، بقي مرتبطاً بقضايا وطنه وأمته، وفاعلاً فكرياً دؤوباً في دائرة الحضارية العربية الإسلامية.
انتقل الجابري من قراءة التراث ونقد بنياته ومصادر تشكله، إلى فهم النص القرآني محورَ هذا التراث، وقد كان واعياً دقة هذا الانتقال ومخاطره، في بلاد عربية إسلامية تعجُّ مجتمعاتها بمختلف أشكال النظر إلى الدين وطرق تفسيره وتأويله، وقد أنتج في هذا الصدد كلاً من "مدخل إلى القرآن"، و"فهم القرآن"، وربما لو شاءت قدرة خالقه أن يستمر في الحياة، لتيسرت له سُبل إتمام هذه المسيرة الفكرية بإصدار نصوص مكملة ومتممة لهذين المؤلفين. وأذكر الزوابع التي خلفتها مقالات محدودة ومبتورة من هذا المشروع الكبير على أعمدة بعض الصحف والمنابر العربية، وكعادته استنكف عن الدخول في متاهات الردود والردود المعاكسة، لوعيه دقة المجال المعرفي الذي يشتغل فيه، وخطورة الأحكام التي من العادي جداً أن تصدر في حقه ممن يرفضون عن جهل إعمال المنطق والحجة والعقل في فهم التراث وتحليله. فبالجملة نحن أمام مفكر كبير حمل مشروعاً فكرياً كبيراً عنوانه العودة إلى التراث لفهم تشكله أولاً، ثم إعادة بنائه وفق منهجية تسترشد بالعقل والمنطق والسبُل العلمية للمعرفة، وبالتالي إخراجه من ردهات التكلس التي طوقته، وأعاقت قدراته في أن يكون موجهاً لهذه الأمة، ومحفزاً على تطورها.. فالجابري بذلك كان أحد حَملة مشعل التنوير والحداثة بامتياز، وهو لا يختلف عن جيلي النهضة العربية المعلقة خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين.
أتذكر قولةً شهيرةً للباحث الاجتماعي الفرنسي "جاك بيرك"، الذي عشِق العالم العربي لغةً وتاريخاً ومجتمعات، وسخّر جهداً كبيراً من حياته لترجمة القرآن الكريم عُربوناً لهذا العشق، يقول فيها: "تكمن قيمة الإنسان ليس في ما فعلَ ولكن في ما تركَ ليُفعَل"، وأظن أن الفقيد محمد عابد الجابري غادرنا وترك لنا رصيداً فكرياً مهماً يستحق من أبناء هذه الأمة من محيطها إلى خليجها أن يحضنوه، ويعمقوا نظرهم فيه، ويضيفوا إليه، بُغية المصالحة مع تراثهم، بالعقل، وروح التنوير والحداثة.. ثم إن الفقيد، باعتباره إنساناً كباقي بني جلده، تميز بصفات أعطت لعلمه بعداً حقيقياً لما يجب أن يكون عليه العلماء، فقد ظل دمثَ الخلق، متعففاً عن مزالق الدنيا، منتصراً لكل ما يرفع مكانة الإنسان، ويُذكي رفعته، ويحقق شروط كرامته، وفي صدارة ذلك حقه في التعبير عن اختباراته بحرية، وحقه في الاستفادة من خيرات الأرض التي عمَّرها، ومن ينظر في مسيرته يلمس، من دون شك، هذه السمات البارزة في تجربته كإنسان ومفكر.. لقد رحل الجابري فعلاً، وتلك سنة الله في خلقه، لكن سيبقى صاحب "نقد العقل العربي" حياً، كما حصل لمن سبقوه من الأعلام، ومنهم العلامة "ابن خلدون"، الذي خصّه بأطروحة دكتوراه في بداية مشواره الأكاديمي.
() كاتب من المغرب
"المستقبل"




















