تطرح التصريحات الحكوميّة عن الجفاف وتداعياته والمشاهدات العيانية في الريف (1) إشكالية ما إن كانت "الأزمة" التي تعيشها بعض المناطق في سورية (المنطقة الشرقية أو إقليم الجزيرة، وكذلك مناطق أخرى كسهل الغاب أو سهول حلب وإدلب)، مردّها المورد المائي أم عنوان أزمة تحوّل في قطاعٍ ما زال يشكّل جزءً ملحوظاً من الناتج المحلّي للبلاد؟
صحيحٌ أنّ قيمة الإنتاج الزراعي (بأسعار 2000 الثابتة) قد انخفضت عام 2007 الذي تميّز بجفافه بنسبة 13% عن عام 2006؛ إلاّ أنّ هذه القيمة تزيد بنسبة 12% عمّا كانت عليه عام 2000 (1). وصحيحٌ أنّ بعض القطاعات الفرعيّة تعاني مشاكل تفاقمت بعد 2007؛ إلاّ أنّ سورية ما زالت (حسب منظّمة الأغذيّة والزراعة للأمم المتحدة) من بين الدول الأولى عالميّاً في بعض الصادرات الزراعيّة (2). إذاً، وبرغم الكثير الأمور، لا تكمن المشكلة الأساسيّة في الإنتاج.
أمّا فيما يتعلّق بالعمل والتشغيل، فتبدو المشكلة أوضح: إذ انخفض عدد المنخرطين في القطاع الزراعي (مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر) من 1.4 مليون شخص إلى حوالى 800 ألف بين 2002 و2008؛ أي بنسبة 44%. ولم يطل هذا الانخفاض إقليم الجزيرة فقط (-50% مثلاً في محافظة الحسكة)، بل أيضاً محافظة السويداء (-67%) وريف دمشق (-60%) ومحافظتي إدلب (-59%) وحلب (-54%) وحتّى اللاذقيّة (-28%). وأكثر من الرجال (-30%)، طال الأمر خاصّةً النساء (-68%) اللواتي يشاركنَ عامّةً أكثر في العمل بالأرياف ممّا هو في المدينة.
وهذا يشكلّ سبباً رئيسيّاً لعدم ازدياد قوّة العمل في سورية في سنوات الألفيّة الثالثة بالرغم من التزايد الديمغرافي (3) ولانخفاض نسبة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي. وهذا يعني بالنسبة للقطّاع الزراعي قفزة استثنائيّة في الإنتاجيّة الزراعيّة قياساً بالعمل لم تشهدها سورية منذ عقودٍ طويلة. ويعني أيضاً زيادة الفقر في الأرياف وتجدّد الهجرة من الريف إلى المدينة بشكلٍ كثيف.
من الواضح إذن أنّ الجفاف ليس ظاهرة التحوّل الرئيسة في القطاع الزراعي السوري، إلاّ أنّه ساهم في تسريع الأمور. والدلالة الرئيسة على ذلك هو أنّ معظم فقدان قوّة العمل الزراعيّة قد أتى في سنتي 2003 و2004، وليس في سنوات الجفاف.
ولا بدّ للإحاطة بهذا التطوّر في قطاع الزراعة السوري من العودة إلى أمرين: الإصلاح الزراعي والتطوّرات العالميّة في هذا القطاع.
شكّل الإصلاح الزراعي الذي انطلق في 1958 وتمّ تطبيقه حتّى السبعينات، مرحلة تحوّلٍ في البلاد. إذ أتى بعد مرحلة نهضةٍ زراعيّة قامت على استغلال مساحات زراعيّة واسعة بالاعتماد على المكننة والاستثمارات الكبيرة، في حين كثيراً ما ترك الفلاّحين يرزحون حينها تحت فقرهم. هكذا أتى الإصلاح الزراعي (أي استملاك الدولة للملكيّات التي تتخطّى الحدّ الأقصى وتوزيعها على الفلاّحين) ضمن جهدٍ لإرساء عدالةٍ اجتماعيّة وتقليص الفقر (4). ولم يكن هذا الإصلاح "خصوصيّةً" سوريّة، بل جرى أيضاً في دولٍ عربيّة أخرى كالمغرب الملكيّ. بل يمكن أن يقال أنّ طابعه لم يكن "اشتراكياً" بالمعنى الصرف (5)، إذ أنّ الأرض هي أحد وسائل الإنتاج، وهناك وسائل أخرى يجب تمكين للحائزين الجدد من امتلاكها واستثمارها من عناصر الزراعة (بذار، سماد، ريّ،…) وآليّاتها وسبل تسويق الإنتاج. وهنا يمكن مساءلة السياسات حينها، حتّى من منظور "الدولة الراعية الاجتماعيّة"، عن مدى رغبة الدولة ومدى نجاحها في تأسيس التعاونيّات الزراعيّة للإنتاج وتحويله وتسويقه، كما في معظم الدول الزراعية الكبرى.
في الحقيقة، أدارت "رأسمالية الدولة" الدورة الزراعية بشكلٍ صارم خلال عقود (6)، عبر وزارة الزراعة (تحديد الإنتاج حول الزراعات الاستراتيجيّة) والمصرف الزراعي (توزيع القروض العينيّة بأغلبها للبذار والسماد) ومؤسّسات الأحواض الزراعية (توسيع الريّ) ومؤسّسات تسويق المنتجات الإلزاميّة (الحبوب والقطن)؛ وكذلك لجزءٍ من الأراضي (خاصّةً في محافظة الرقّة) عبر مزارع الدولة (حوالى 100 ألف هكتار). ولم تكن هذه الإدارة ناجعة في جميع المناطق والأحيان. ذلك أنّ الزراعة في سورية لم تشهد نهضةً قويّة إلاّ في تسعينات القرن الماضي، بعد أن قامت بدعم الأسعار في الزراعة (وهذه ممارسة حكومية أساسيّة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة) بشكلٍ مباشر (أسعار شراء المحاصيل) أو غير مباشر (أسعار المحروقات اللازمة للريّ، وغضّ النظر عن الإصلاح الزراعي حين تحوّل الأراضي من بعلٍ إلى مرويّة، إلخ).
النهضة أتت إذاً بعد جيلين من توزيع أراضي الإصلاح، أي بعد تشرذم الملكيّات الزراعيّة. حيث لم تعُد إيرادات أملاك أسرة اكتسبت أرضاً من الإصلاح كافيةً بأيّ شكلٍ لإعالتها (7). وبرز مع النهضة تراكضٌ نحو الإنتاجيّة، عبر حفر الآبار واستهلاك المياه الجوفيّة، وعبر تجميع الملكيّات الصغيرة في حيازات كبيرة (راجع تقرير سورية 2035) بشكلٍ طوعيّ أو بفعل بعض الممارسات الملتوية. ثمّ تفاعلت عدّة عوامل أدّت في كثيرٍ من المناطق الزراعية إلى ما يمكن أن يسمّى "إصلاحاً زراعيّاً مضادّاً"، أي تجميعاً للملكيّات في حيازات زراعية كبيرة، تتحوّل تدريجيّاً إلى ملكيات كبيرة: هبوط مستوى المياه الجوفية وضرورة البحث عن الماء في أماكن أعمق (8)؛ تسارع تطوّر تقانات الزراعة والبيوت البلاستيكيّة إلخ، ممّا يتطلّب قدرةً على الاستثمار الكبير؛ بيع جزءٍ ملحوظ من أراضي مزارع الدولة بعد قرار القيادة القطريّة بتصفيتها في كانون الأوّل 2000، ممّا أطلق عند تطبيقه في 2003 موجة إعادة توزيع للحيازات تخطّت منطقة الرقّة، وغير ذلك. من بقي فلاّحاً مع هذه التطوّرات هو فقط القادر على اللحاق بها وصرف الاستثمارات أو الاقتراض ماليّاً من المصرف الزراعي الذي تحوّل إلى مصرفٍ عاديّ بدل وكالة تنمية زراعية أو… أيضاً من تحوّل إلى مجرّد عاملٍ زراعيّ موسمي في الحيازات الكبيرة يرزح تحت فقره. ثمّ جاءت موجة "التوجّه الليبرالي" الأخيرة عبر قانون العلاقات الزراعية في 2004، ورفع الدعم عن الفيول اللازم لضخّ المياه وتحرير أسعار السماد في 2008، ممّا سرّع التطوّرات على الفلاّح الذي لم يكن قد حسم أمره بعد؛ إذ لم تعد ملكية أرضٍ صغيرة شيئاً هامّاً، وإنّما ملكيّة أو حيازة وسائل الإنتاج الأخرى… التي تطلّب رأس مال. وانقلبت العلاقات الزراعية رأساً على عقب: فأضحى الحائز في وضعٍ أقوى من المالك. فمن استطاع بيع أرضه الصغيرة بسعرٍ جيّد فقد كسب هذا على الأقلّ.
وما يجب الإشارة إليه هو أنّ هذا التطوّر ليس خصوصيّةً سوريّة، فنحن نشهد مظاهر مماثلة في مصر والمغرب وغيرها من البلدان (8). إذ أدّى ارتفاع الطلب على السلع الزراعيّة مع نموّ الدول الصاعدة، وقفزة أسعارها الجنونيّة في 2008، وكذلك البحث عن الأمن الغذائي، وتطوّر تقانات الزراعة الجينيّة والبحث عن أراضٍ لإنتاج الوقود العضوي، وتطوّر مباحثات منظّمة التجارة العالميّة لإلغاء الدعم عن الزراعة في الدول المتقدّمة، إلى تحوّل جزءٍ هامٍّ من الاستثمار العالمي نحو قطّاع الزراعة ودخول الشركات المتعدّدة الجنسيّة بشكلٍ متسارع في معظم الاقتصادات التي كانت زراعتها تعيش حتّى فترة قريبة خارج الرأسمالية المعولمة. فها هي دول الخليج مثلاً تستثمر بشكلٍ كثيف في الزراعة بالسودان وبإفريقيا. ولماذا نفترض أنّ سورية خارج هذه التحوّلات، التي تحصل في تركيا على خلفيّة مشاريع سدود دجلة والفرات؟ وبالفعل، بدأت الشركات المتعدّدة الجنسيات تهتمّ بسورية وبتطوير الطاقة الكامنة الزراعيّة الموجودة في البلاد؛ حيث دخل عددٌ منها واستثمرّ بشكلٍ فعليّ، وسنشهد قريباً مزارع "صناعية" بمئات آلاف الهكتارات.
لا أحد يستطيع الوقوف في وجه التطوّرات الطبيعيّة، كتشرذم الأرض الزراعيّة بفعل التزايد السكّاني وتوالي الأجيال، وهجرة الريف إلى المدينة بحثاً عن ظروف معيشةٍ أفضل، ولا في وجه التطوّرات العالميّة؛ خاصةّ إذا أتت هذه التطوّرات بزيادة في الإنتاج والإنتاجية. ولكن هناك عدّة مساءلات لا بدّ من طرحها حول هذه الإشكاليّة:
– هل كان ممكناً أن تتطوّر الأمور بشكلٍ مختلف منذ الإصلاح الزراعي، للاستفادة منه في المراحل الأولى بتطوير الأرياف وخلق البنى التحتيّة فيها وتنشيط التعاونيّات، كي تتعدّد سبل المعيشة وتصبح الأقاليم ذات الإنتاج الزراعي الكثيف (كالجزيرة) مناطق فيها حاضرات مدينيّة مقبولة وتنوّعٌ في سبل الإنتاج والمعيشة؟
– وماذا فعلت الحكومة تجاه التحوّلات التي أدّت إلى هجرة هؤلاء الذين فقدوا عملهم الزراعي مع عائلتهم إلى المدن، خصوصاً أنّ أعدادهم الإجمالية تتخطّى المليون؟ وماذا هيّأت لاستقبالهم في المدن، بدل أن يذهبوا للعشوائيّات ويفاقموا من فقرها ومشاكلها؟
– ألم يكن من الأنجع أن تنفق الدولة على تنمية هذه المناطق الريفيّة وتحسين ظروف المعيشة في مدنها وقراها، بدل أن تتخبّط اليوم في حلّ مشاكل المدن الرئيسيّة (دمشق وحلب خصوصاً) المكتظّة بالسكّان؟
– ولماذا حلّت هيئة مكافحة البطالة التي تشير إحصاءات قوّة العمل إلى أنّها ساعدت مرحليّاً في استدراك الأمور؟ وهل مؤسسات التأهيل والأعمال الخيريّة والقروض المتناهية الصغر التي استبدلت بها أنجع من هذه الهيئة بالنسبة للمشكلة الزراعيّة؟ وهناك اليوم إمكانيّة لمقارنة فعاليّة الحلّين، ومعرفة إذا كان عمل الهيئة هدراً للموارد أم لا؟
– ولماذا لا يتمّ مسح الحيازات الزراعيّة ومقارنتها مع الملكيّات ومع الآبار المحفورة وتطوّر منسوب المياه الجوفية، ووضع خارطة اقتصادية-اجتماعية واقعيّة لتنمية الأراضي الزراعي؟
– ولماذا لا يكون في سورية هيئات تنمية إقليميّة (مع صلاحيات تنفيذيّة وموارد مالية) كتلك التي أنشأتها تركيا في جنوب-شرق الأناضول؛ ولا تهتمّ فقط بتنمية الريّ (وهو ضروريّ مع استبدال الآبار العشوائيّة بتوزيعٍ مدروسٍ للمياه) بل أيضاً بالطرق وسكك الحديد والمطارات وتأهيل المناطق الصناعيّة (لا أن تكون فقط أرضاً مسوّرة)، وكذلك بتوصيل مياه الشرب والصرف الصحّي والتنمية السياحية، أي بالتخطيط والتنفيذ الإقليمي بالتشارك مع أبناء المنطقة (8)؟
تقلّص حجم العاملين في القطاع الزراعي أمرٌ حتميّ، ولكن ليس بهذه الطريقة. وهجرة الريف إلى المدينة أيضاً حتميّة، ولكن يمكن أن تكون المدن هي قرى تنمو أو مدنٍ صغيرة تتطوّر. وتطوّر قسم من الزراعة إلى مساحات كبيرة تستغلّ رأسمالياً أيضاً فيه نوعٌ من الحتميّة، ولكن يمكن أن يكون ذلك عبر تعاونيّات تطوّر صناعاتها الغذائيّة.
ولكن ليس هناك أيّ حتميّة في ترك الفلاّحين إلى مصيرهم في قراهم أو في عشوائيات المدن؛ وليس هناك أيّ حتميّة في عدم دعم الزراعات المعيشيّة وترك القرى إلى مصيرها؛ ولا في خيار ألاّ تنمّى المناطق التي يعيشون فيها والمدن القريبة منهم كي تتنوّع موارد عملها ورزقها وعيشها الكريم؛ وليس حتميّاً أن تكون بنى النقل التحتيّة شبه معدومة في بعض المناطق الريفيّة، ولا أن يستغرق الأمر بالقطار 12 ساعة للوصول من دمشق إلى القامشلي. فكلّ هذه نتيجة سياسات حكوميّة… أو غيابها (الفعليّ، فالخطابات الطنّانة كثيرة).
وللحديث صلة.
(1) حسب المكتب المركزي للإحصاء. (2) راجع إحصائيّات المنظّمة على موقع http://faostat.fao.org/ حيث تظهر سوريا كثاني مصدّر عالمي من حيث الكميّة للطماطم (البندورة).
(3) أي أنّ أعداد القادمين الجدد إلى سوق العمل أقلّ بكثير من الـ200 أو 300 ألف التي كان يجري الحديث عنها. (4) نصّ القانون في مادّته 9 على تعويض الملاّك القدامى عن الاستيلاء، الذي هو حقّ سياديّ للدولة، كما حقّ الملكيّة محفوظ بالدستور؛ ولكن لم تتمّ تسوية هذه التعويضات في أغلب الحالات حتّى الآن. (5) كانت هناك حتّى حينها حيازات "مشاعيّة" في المنطقة الشرقيّة تدار بشكلٍ جماعيّ، وبتناوب الحائزون على الأراضي المستغلّة من سنةٍ إلى أخرى.
(6) وكانت في الحقيقة امتداداً طبيعيّاً ولكن توسعيّاً وأشمل للسياسات الزراعيّة منذ فترة الانتداب في أربعينات القرن الماضي وبعيد الاستقلال، أي منذ "الميرة" ومكتب القطن.
(7) راجع تقرير سورية 2025 للتقديرات المقارنة بين إيراد هكذا أسرة في الستينات واليوم.
(8) عالج مشروع سورية 2025 بتفصيل مسهِب أثر الثلوّث والتصحّر وتوسع النشاط المديني والعمراني والزيادة السكانية وحرج الموارد المائية الجوفية السورية نتيجة الكم الهائل من الآبار العشوائية والمفقود من استخدام حصّة سورية من الفرات والزيادة السنوية المطلقة المرتفعة بحجم السكان على الرغم




















