علي عبود : (كلنا شركاء) 17/5/2010
يشعر السوريون أن هناك شريحة جديدة في المجتمع تملك المال والنفوذ بدأت تسيطر على الإقتصاد منذ سنوات قليلة ماضية دون معرفة تفصيلية بأركان هذه الشريحة ومقدار قوتها الحقيقية لأنها بقيت حتى سنوات قليلة ماضية تعمل في الخفاء كثيرا وفي الضوء قليلا ، ولولا بعض المظاهر لما استرعت انتباه سوى قلة محدودة جدا!
والملفت أن هذه الشريحة بدأت تطل برؤوسها أكثر خلال السنوات الخمس الماضية وكأنها تعلن على الملأ: انتظرونا .. نحن قادمون بسرعة !
ومع أنه من النادر جدا الحديث عن قوة هذه الشريحة ومراميها وأهدافها – طبعا باستثناء المال – إلا بالجلسات الخاصة فقد تطرق الدكتور عابد فضلية الأستاذ في كلية الإقتصاد في جامعة دمشق إلى هذا الموضوع باقتضاب وفي نهاية محاضرته التي القاها مؤخرا في ندوة الثلاثاء الإقتصادية!
يقول فضلية :" لاشك أن التحولات الإقتصادية والإجتماعية التي تشهدها سورية تصب على المدى الطويل في مصلحة جميع المواطنين بلا استثناء إلا ان الواقع يشير أيضا إلى أن مزيدا من التجار ورجال الأعمال وأصحاب المال والمستثمرين ( وسيدات الأعمال من زوجاتهم وأقاربهم ) في طريقهم إلى تشكيل طبقة إجتماعية (رأسمالية) تربط أواصرها مصالح مادية وغير مادية مشتركة .. بدأت تتربع على رأس الهرم الإجتماعي والإقتصادي .. إلا أن الذي لايعرفه أحد (أو يريد الحديث عنه) هو مقاصد هذه الطبقة وحدود وكيفية وآلية سعيها المحتملة للترقّي (أيضا وبشكل مواز) على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي ، لأن هذه الطبقة ستعتقد على المدى المتوسط والطويل (حتما) أن هذا من حقها الطبيعي ".
ولكي لايساء فهم ماقاله د.فضلية فقد سارع إلى القول بان الواقع في سورية يشير إلى ان هناك شريحة رأسمالية وطنية تنمو في النور وتحت نظر وإشراف الدولة وبالتعاون والتنسيق الإيجابي معها ، وتمتلك رؤية عامة وطنية شاملة لعملية التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، ولكن يحتمل – برأي فضلية دائما- أن يكون هناك شرائح أخرى من الفعاليات وأصحاب المال تنمو (في الماء العكر) خارج الإطار أعلاه والتي يخشى د.فضلية على المدى المتوسط والطويل أن يتشكل في رحمها من لاتهمه سوى مصالحه الخاصة ولو مس ذلك أمان المواطن ومنعة الوطن!
كنا نتمنى أن يكون د.فضلية أكثر وضوحا وتفصيلا لأن من يتحدث عن طبقة رأسمالية بدأت تظهرعلى رأس الهرم الإقتصادي والإجتماعي وتستعد للترقي على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي .. يملك معطيات تفصيلية أكثر!
لاشك أن الكثير من السوريين يعرفون بعض رجال وسيدات هذة الطبقة الرأسمالية الجديدة ويتحدثون عن نفوذها وجاهها ويتخوفون من مراميها ومقاصدها كما يخشى ويتخوف د.فضلية .. ومع ذلك يبقى السؤال مشروعا :هل من خيط رفيع جدا يمكن أن يفصل أو يميز بين شريحة رأسمالية (وطنية) تنمو في النور وبين شريحة تتشكل في رحمها تنمو في الماء العكر؟
وبسؤال اكثر دقة : من هم أبرز رجال وسيدات أعمال الشريحة الرأسمالية الوطنية التي تنمو في النور بإشراف الدولة .. ومن هم أبرز رجال وسيدات أعمال الشريحة التي تنمو في الماء العكر ؟!
وإذا كان د.فضلية يرى أن شريحة رأسمالية "الماء العكر" تسعى للترقي على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي .. فهل نستنتج أن شريحة رأسمالية "النور" متعففة عن الترقي على هذا الهرم لأن همهما الأول والأخير امان المواطن ومنعة الوطن ؟!
نحن لانستغرب ظهور أكثر من شريحة رأسمالية في سورية بدأت معالمها الأولى بعد سنوات قليلة على صدور قانون الإستثمار عام 1991 ، وبدأت هذه الشرائح تتواجد بكثافة وفي كل مكان خلال تنفيذ الخطتين التاسعة والعاشرة !
ونقول اكثر من ذلك أن عدد الشرائح الرأسمالية التي تعمل في النور أو الماء العكر كان يزداد بالتوازي مع تراجع دور الدولة المتمثل بتدهور أوضاع القطاع العام !
ولا أحد يستطيع حتى الآن على الأقل الزعم أن مصالح هذه الشرائح متضاربة عندما يتعلق الأمر بالمواطن وامانه وتحسين أحواله المعيشية ..فهذا آخر اهتماماتها ، والمجال الوحيد لتضارب مصالحها هو اقتسام "كعكة ثمار التنمية" فقط وعندها قد تدور معركة "كسر عظم" الفائز فيها الأكثر نفوذا ودعما من الحكومة!
ويجب أن لايستغرب أحدنا وخاصة "المدافعين عن القطاع العام" من ظهور شرائح رأسمالية سواء كانت تعمل في النور أو الماء العكر في سنوات الخطة الخمسية العاشرة على الأقل. ..
هذه الشرائح كانت تملك المال فقط فأصبحت اليوم تملك المال والنفوذ وترى أن من حقها الترقي على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي .. وقد يسأل الكثيرون : لماذا هذا من حقها ؟
عندما تضخ هذه الشرائح الرأسمالية التي نطلق عليها رسميا مصطلح "القطاع الخاص" استثمارات بقيمة 1300 مليار ل س في الخطة الخمسية العاشرة مقابل 1100 مليار أستثمارات حكومية ..فهذا يعني أن هناك شريحتين على الأقل واحدة تعمل في النور وأخرى في الماء العكر تسيطران وتقودان النشاط الإقتصادي والتجاري والإجتماعي ..وبما ان حصة الشرائح الرأسمالية أكبر من حصة الحكومة في الخطة الخمسية العاشرة ..فلماذا لاتطمح أو ترى من حقها أن الفرصة أصبحت مؤاتية للترقي على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي ..؟!
وإذا لم يتسن لها الترقي الكامل في سنوات الخطة العاشرة فهي تستعد من الآن لتحقيق مقاصدها ومراميها وبسرعة كبيرة جدا في الخطة الخمسية الحادية عشرة .. وإليكم الأدلة والبراهين :
سيرتفع حجم إستثمار الشرائح الرأسمالية في الخطة الخمسية الحادية عشرة إلى 2800 مليار ليرة أي بأكثر من 1500 مليار عن استثماراتها في الخمسية العاشرة في حين لن يتجاوز الإستثمار الحكومي 2000 مليار وهذا يعني نفوذا أكبر للشريحة الرأسمالية في الإقتصاد والإجتماع ..
ترى هل ستكتفي هذه الشريحة بالنفوذ الإقتصادي والإجتماعي أم أنها ستترقى على الهرم السياسي والحكومي والتشريعي ؟!
الأهم أن الحكومة أنجزت وثيقة "التشاركية" وقد تصدر بعد مؤتمر البعث مباشرة .. وإذا كانت عملية الخصخصة تجري بصمت ودون إعلان وضجيج ..فإن تبني التشاركية رسميا يعني تبني خصخصة الإقتصاد بكامله وهذا ماتم ترجمته في زيادة استثمارات القطاع الخاص في الخطة الخمسية الحادية عشرة ؟
والأكثر أهمية أن الحكومة تتجه منذ فترة إلى دعوة الإستثمارات الأجنبية لتمويل مشاريع البنية التحتية وفق أنظمة "بوت" بمشاركة الشرائح الرأسمالية التي تعمل في النور مما سيعزز أكثر فأكثر نفوذها وتربعها على الهرم الإقتصادي والإجتماعي؟!
وعندما يعلن النائب الإقتصادي أمام المستثمرين "ان معظم المشروعات الاستثمارية خلال السنوات القادمة ستركز على البنية التحتية والطاقة كانشاء المدن الصناعية والمطارات والموانئ وقطاع الكهرباء .. وان الحكومة لن تنافس القطاع الخاص في انتاج السلع او الخدمات الخاصة بل تفكر في الدخول بشركات مساهمة في مشاريع الصناعات الثقيلة كالأسمدة ومصافي النفط .." فإن المشهد يكتمل إلى حد لن نفاجأ قريبا بترقي الشرائح الرأسمالية الجديدة سواء التي تعمل في النور أم الماء العكر على الهرم السياسي والإقتصادي والتشريعي ..!
ونختم بسؤال:هل هذه الشرائح الرأسمالية .. غير ممثلة فعلا في الهرم السياسي والحكومي والتشريعي أم أنها تطالب بالمزيد من التمثيل؟!




















