عندما مات المفكر الفرنسي المختص بعلم الإشارات رولان بارت عام 1980 عن عمر ناهز الخامسة والستين عاماً، كان قد وصل إلى قمة مجده. فبعد رحيل فيلسوف الوجودية الفرنسي جان بول سارتر وفيسلوف البنيوية ميشال فوكو، كان رولان بارت شخصية ثقافية يُحتفى بها في فرنسا، لها حضورها الفعال بالتأثير على الرأي العام. في الحقيقة هذا الطراز من المفكرين أو المثقفين اختفى، فلكي يكون المرء مثقفاً في أيامنا هذه، لم يعد من المهم معرفة أية أفكار تحملها الكتب التي يكتبها، بل المهم هو الرأي الذي يقوله في القنوات التلفزيونية.
رولان بارت كان، وحتى وفاته، مفكراً معروفاً للجمهور، لا يمكن تصور حضوره من دون الكتابة أو من دون الموضوع الذي يكتبه، رغم أنه نفسه أعلن وبصوت عال موت المؤلف. حتى الجسد وبكل ما يحويه من رغبات وصفها بشكل تفصيلي مشكلاً أحد المواضيع التي عالجها في كتاباته. في "الرغبة للنص" أو في "شذرات لغة الحب"، لمجرد ذكر بعض الأمثلة، وخاصة الكتاب الثاني، شكلا علامة فارقة في شهرته كمفكر. أتذكر كيف أن الكتاب هذا كان يتنقل من يد إلى يد في الجامعات الألمانية في بداية سنوات الثمانينات، وكان مثل علامة فارقة يزين كل مكتبة شخصية.
طبعاً من الصعب على المرء، وهو يتحدث عن رولاند بارت، ألا يأتي على ذكر كتابه الذي جعله معروفاً عالمياً، أقصد "الكتابة في درجة الصفر"، الصادر عام 1954، والذي وصلنا مترجماً في بداية السبعينات على ما أتذكر. ربما لم يتخيل بارت نفسه، أن كتابه هذا سيتبوأ مكانه على رفوف المكتبة المركزية العامة في بلدة صغيرة وبعيدة في جنوب العراق مثل بلدتنا العمارة. الأمر نفسه حدث مع آخر كتاب "الحجرة المضيئة"، الصادر عام 1980 والذي نُشر قبل وفاته بوقت قصير، صحيح أن الكتاب هذا لم يشتهر عندنا، لكنه تحول في أوروبا إلى أحد الكتب الأساسية في بيبلوغرافيا رولان بارت. في كتابه هذا الذي يتحدث فيه عن التصوير الفوتوغرافي يبرز وللمفاجأة مرة أخرى، "الصفر"، هذه المرة ليس في علاقته بالأدب أو بالتتابع التاريخي لجوهر الكتابة، بل في علاقته بالجسد: "لن يجد جسدي نقطة الصفر أبداً، لا أحد يستطيع أن يمنحه ذلك (ربما أمي فقط؟…)"، كأن رولان بارت الذي بدأ حياته الفكرية مع "نقطة الصفر"، تعمد الإنتهاء منها عند النقطة ذاتها: "الصفر".
الجملة التي وضعتها بين قوسين واقتطعتها من الإستشهاد تُعيّن المرحلة التي كان على بارت تعلم العيش بدونها أولاً عندما بدأ يكبر هو شخصياً. منذ طفولته تقاسم رولان بارت البيت مع أمه، بغض النظر عن السنوات العديدة التي قضاها في مصحة العزل الصحي بسبب إصابته بالتدرن. وعندما ماتت الأم في عام 1977، لم يستطع مؤلف "الكتابة بدرجة الصفر" الدفاع عن نفسه أمام الحزن الذي لفه بسبب موتها إلا عن طريق الكتابة. الملاحظات التي تركها في دفاتر ملاحظاته وعلى قصاصات صغيرة ظهرت مترجمة للألمانية قبل أيام تحت عنوان "يوميات الحزن".
الملاحظات التي كتبها رولان بارت تلامس نياط القلب في أكثر من مكان، تبوح بلوعة وأسى عميقين، كما إنها تبين للمرة الأولى شخصية كسرها الحزن، لا تتردد في التعبير عن نفسها في أحايين كثيرة بشكل سطحي أقرب للكليشيه، مثلما يفعل أي إنسان يموت شخص عزيز عليه، شخص يحبه. وهي المفارقة التي تجعل نشر ملاحظات "سطحية" مثل هذه تعيش فقط من الفكرة التي هاجمها رولان بارت نفسه بشكل عنيف في أعماله البنيوية جميعها، الفكرة البسيطة التي تتحدث عن: فكرة المؤلف. فلو لم يكن الشخص الذي كتب تلك الملاحظات هو مفكر من عيار رولان بارت لما وجد هذا الكتاب طريقه للنشر، وما كانت دار النشر وضعت على غلافه الأخير تأكيداً يخاطب القارئ في السوق بأن عليه قراءة هذا الكتاب لأن "وراء النص هذا يظهر الإنسان رولان بارت". دار النشر تعرف جيداً، أنها لو لم تطبع إسم رولا بارت على الغلاف، لو كانت نشرته من دون إسم المؤلف، كما كان بارت نفسه يعتقد بـ"موت المؤلف" إذا لم يدعُ إليه، لما كان أثار إهتمام أحد على الأقل لكي يشتريه. بهذا الشكل عاش "المؤلف" في السوق رغم إعلان مؤلفه موته!
في الملاحظات هذه يصطدم القارئ دائماً برغبة رولان بارت بتأليف كتاب عن أمه المتوفاة يعتمد على صور مأخوذة لها في الحديقة الشتوية. 23 آذار 1978: "منذ أسابيع كانت لدي الرغبة بالجلوس والشروع بكتابة كتاب الصور، هذا يعني، تضمين حزني في الكتابة". في مرحلة الحزن هذه كان رولان بارت يعطي محاضرات في "كوليج دي فرانس"، موضوعها "التحضير للرواية" وهو يقصد "رواية الصور" والتي كانت بمثابة مشروع "حياة جديدة" بالنسبة له في ذلك الوقت رغم أنه لم يبدأ بكتابتها أبداً! في محاضراته تلك تحدث من جديد عن الكتابة، قبل كل شيء عن معنى الكتابة في الحياة.
في كتابه "الحجرة المضيئة" كتب رولان بارت عن أمه (وعن نفسه طبعاً): "إذن، بعد أن ماتت، لم يعد لي أي سببب يدعوني للتكيف مع المرحلة العليا من الحياة. تفردي لن يكون جزءاً من العالم أبداً (إلا إذا – من الناحية الطوباوية – كنت حققت ذلك عن طريق الكتابة، المشروع الذي جعلته هدف حياتي الوحيد منذ أن بدأت بالكتابة). الآن أستطيع فقط إنتظار موتي التام. هذا ما قرأته من صور الحديقة الشتائية". الكتاب الذي عالج فيه رولان بارت الصدمة الجارحة التي تثيره صور شخص ميت عند أولئك الذين يواصلون العيش بعد موت الشخص الحبيب، إنتهى من كتابته في حزيران 1979.
وفقط قبل عام من ذلك كتب رولان بارت بإنزعاج على إحدى القصاصات التي يتكون منها كتاب "يوميات الحزن": "إمرأة لا أعرفها والتي عليّ أن ألتقي بها، إتصلت بي بصورة غير ضرورية ( أمر يزعجني، ويثير الحنق عندي)، لكي تقول لي: إنزل من الباص عند محطة الوقوف هذه، عليك أن تكون حذراً عند عبورك الشارع". إنها مفارقة عجيبة، كأن مَنْ كتب الكلمات تلك تنبأ بطريقة موته. إذ في فبراير/ شباط 1980، وبعد الإنتهاء من إلقاء محاضراته ومغادرته مبنى "كوليج دي فرانس" دهسته سيارة حمولة كبيرة كانت مسرعة أثناء عبوره الشارع، ليسقط مضرجاً بجراحه البليغة ويُنقل إلى المستشفى، ثم ليموت بعد ذلك الحادث بأربعة أسابيع.
تأثيرات كتبه اللاحقة لم تتوقف في أوروبا حتى بعد موته، وأقله يصح ذلك على كتابه المكتوب بشكل "علمي" صارم "عناصر علم الإشارات" وكتابه المتعب (أيضاً بالنسبة للقارئ) "قراءة بنيوية" والذي يقرأ فيه إحدى قصص شيخ الرواية الواقعية الفرنسية بلزاك. على عكس ذلك هي أعماله الأخرى التي مازال يتداولها القراء في أوروبا وفي ألمانيا بصورة خاصة، "أساطير الروتين اليومي" و"اللغة والمودة". لكن في كل أعماله يدور السؤال، كيف يبني ويروي المغزى نفسه بشكل فعال كلمة على كلمة وجملة على جملة، قبل أن يبصم الموت ببصمة "نقطة الختام"، والتي هي بشكل ما عودة إلى "نقطة الصفر"، لاغير
"المستقبل"




















