الايراني عباس كيورستامي مخرج كبير، ولكنه أيضاً قاصّ بارع يفتح النوافذ لمشاهديه. كل أفلامه هي بمثابة الرحلة في شوارع العالم، في دهاليز الخيال وطرقات العالم الحميمي. فيلمه الأخير "نسخة طبقْ الأصل" تنافس مع الافلام الاخرى المشتركة في مسابقة المهرجان السينمائي الأخير. من هما الشخصيتان اللتان تلعبان بنار هويتهما في "نسخة طبق الأصل"؟ من هو عباس كيورستامي؟ ماذا يخفي خلف نظارته السوداء دائما؟ مجلة "الاكسبرس" الفرنسية (12 أيار 2010) أجرت معه حوارا، هنا أهم مقتطفاته:
"الاكسبرس": اذا توجّب عليك، كما مع احدى شخصيات "نسخة طبق الأصل"، أن تقدم نفسك لأناس لا يعرفونك، فماذا تقول لهم؟
عباس كيورستامي: سوف أقدم نفسي بالقول انني أعاني من مرض مزمن، هو كثرة التملْمل وقلة الصبر. لا أقف في مكان بعينه. أحاول اذن ان أعالج نفسي، تارة بخلق صور وطورا باخراج افلام. ولكن لا الصور ولا الافلام هي مهنة بالنسبة لي. فأنا دائما بصدد ايجاد بدائل لهذه النشاطية المرَضية. كان يمكن أن أكون نجارا او شاعرا. ولكن من ناحيتي هذا كل ما وجدته لأكون في حال أقل سوءا. فما من شيء أنجزته في حياتي شكّل بالنسبة لي مشروعا مهنيا ولا خطة صعود مهني. كل شيء حصل فجأة وتطور بحيث بات يستحيل عليّ تحديد نقطة بدئه. في أية لحظة من حياتي اتجهت نحو السينما؟ لا أدري.
"الاكسبرس": أمر عجيب! تقدم نفسك ولكن لا تعطينا اسمك…!
عباس كيورستامي: انت على حق. انها هفوة. اسمي عباس كيورستامي. الواقع انني لم أعطِ اسمي لأنني لا أعرف الاطار الخاص بهذه المقابلة. فاذا كنت مثلا في مقابلة مع المخابرات العامة، لاختلف جوابي…
"الاكسبرس": السؤال عن هويتك له سبب: ففي افلامك تخلق دائما نوعا من الاضطراب عندما تقدم شخصياتك أصحاب الهويات المتبدّلة. هل هي مجرّد لعبة درامية أم انها تعبير عن معنى أعمق من ذلك؟
عباس كيورستامي: انه فقط تعبير عن الاهتمام بالحقيقة. انه الواقع كما أتخيّله. من الصعب ان يعرف المرء عن نفسه، اذ لكل منا جانب من الغموض. ولصياغة هذا الجواب الأول عن هويتي، اخذت وقتا طويلا. ما يؤكد بأن ما أقوم ليس بالمهنة، بل فقط حلول تجعلني أكثر قدرة على تحمّل صعوبة أيامي. أمر آخر: ان هويتنا متعدّدة وتتغير تبعا للذين نحن أمامهم. صاحب المصبغة في حيي يعرفني باسم علي موري. قبل ان أسلّمه ملابسي المتسخة يقول لي: "أعلم… يجب ان تكون جاهزة اليوم… لأنك رجل مستعجل". يعرفني كرجل فوضوي ينظف ثيابه في يوم سفره، ويحتاج اليها بسرعة. ان تعرف نفسك هو تعلّم بطيء يتغذى من نظرة الآخر اليك. لطالما فكرت بأن هذا الآخر يعلمنا ان نرى في انفسنا امرا اكثر مطابقة للواقع مما نراه نحن. صاحب المصبغة يقول أشياء صحيحة عني.
"الاكسبرس": تتكلم عن صعوبة مواجهتنا للحياة. هل تتم هذه المواجهة بالضروة بالانتقال من الواقع الى المخيّلة؟
عباس كيورستامي: هذا الانتقال لا يقتصر على الفنان وحده. كل انسان يسافر من الواقع الى الخيال، ثم من الخيال الى الواقع. هذا الذهاب والاياب ضروري. احد الشعراء، لا أذكر اسمه، قال ان الفن انما هو تداخل بين العقل والعاطفة (…).
"الاكسبرس": ان هذه المقاربة للحياة، المتنقّلة بين الواقع والخيال، هل تكون أكثر حدّة في بلد مثل ايران، حيث يصعب الواقع على العائشين فيه؟
عباس كيورستامي: بما انني لم أعش الا في ايران، فلا يمكنني المقارنة. لا أعرف اذا كان الامر يختلف في بلد آخر. ولكن ما أنا مقتنع به هو ان الديكتاتوريات الحقيقية هي الديكتاتوريات الحميمة. طبعا يمكن للمرء ان يتعذّب من القلة الاقتصادية ومن غياب الحريات، ولكن العذابات الحقيقية تقع في مكان آخر. ويمكنني ان اذكر مثلا عن نفسي: في العام 1979، يبدو ان ثورة حصلت في ايران. وحينها، كنت غائصا في صراعات عائلية وشخصية قوية الى حدّ انني لم انتبه ان أمرا هاما حصل خارج بيتي. فقط عندما خرجت أدركت بان النظام السياسي قد تغير (…) .
"المستقبل"




















