استفاق العالم على خبر نجاح المبادرة التركية- البرازيلية لنزع فتيل الأزمة النووية الإيرانية، حيث توصلت الدول الثلاث إلى اتفاق تنقل إيران بمقتضاه 1200 كيلوغرام من الأورانيوم الإيراني المتدني التخصيب إلى تركيا؛ ثم تحصل في مقابل ذلك على 120 كيلوغرام من الأورانيوم العالي التخصيب والمخصص للأغراض الطبية، في موافقة إيرانية على العرض الذي قدمته الدول الغربية الست الكبرى رسمياً إلى إيران في شهرتشرين الاول الماضي. أخذ الخبر واشنطن على حين غرة، فبعد ترحيب متلعثم ومتحفظ، عادت فاستمرت في طريق التحضير لجولة رابعة من العقوبات الاقتصادية على طهران بالرغم من نجاح هذا الاتفاق. لماذا تحفظت أميركا والغرب عن الاتفاق الأخير رغم أنها التي تقدمت بالعرض رسمياً إلى إيران؟ وماهي دوافع كل من إيران وتركيا والبرازيل من إبرام الاتفاق؟ وكيف تبدو آفاق العلاقات الأميركية الإيرانية في المستقبل القريب؟
رمت إيران الكرة ببراعة في الملعب الأميركي بعد أن أبرمت اتفاق تبادل الوقود مع تركيا والبرازيل، في وقت كانت فيه الدول الغربية الست الكبرى تناقش، وهي مازالت تناقش، مسألة فرض عقوبات رابعة على إيران بغرض تجميد برنامجها النووي. وبمقتضى الاتفاق وافقت إيران على العرض الذي تقدمت به الدول الست، وهي موافقة جاءت متأخرة – من المنظار الغربي- سبعة شهور كاملة، بحيث تحول الموقف الآن جذرياً عما كان عليه وقتذاك. بالطبع الدول الست ليست مؤسسات خيرية هدفها مساعدة إيران على تخصيب الأورانيوم إلى درجة عشرين في المئة، ولكن غرضها الخافي يتلخص في سحب كمية كبيرة من مخزون الأورانيوم الإيراني المتدني التخصيب (درجة نقاء تبلغ 3,5 في المئة)، وفي هذه الحالة تضمن الدول الغربية أن إيران لن تقوم بالتحول إلى برنامج عسكري خلال فترة التفاوض معها. بمعنى آخر أرادت الدول الغربية نزع ورقة عامل الوقت من يد طهران، لأن كمية 1200 كيلوغرام من الأورانيوم كانت تعادل في شهر تشرين الاول الماضي حوالى 75% من المخزون الإيراني من الأورانيوم. تغير الوضع اليوم، لأن إيران استمرت في تخصيب الأورانيوم وارتفعت به إلى مستوى عشرين في المئة بمجهوداتها الذاتية وأصبحت تنتج قرابة 4,5 كيلوغرامات يومياً من الأورانيوم. وبالتالي الموافقة الإيرانية الأخيرة على توريد 1200 كيلوغرام من الأورانيوم الموجود لديها لن تسحب كامل المخزون من يدها، بل ربما 40 في المئة منه حالياً. هنا بالتحديد السبب الأساسي للتحفظ الغربي الاتفاق الثلاثي الأخير. وبالإضافة إلى هذا العامل الأساسي فقد نص الاتفاق على حق إيران في تخصيب الأورانيوم للأغراض السلمية، وهو حق مكفول لكل الدول حسب لائحة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبمقتضى اتفاقية حظر انتشار التسلح النووي، وهو ما حاول الغرب عبر قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بإيران (القرارارت 1696 و1737و1747 و1803) نزعه من إيران، وسبق أن اشترطت واشنطن وقف التخصيب تماماً قبل الدخول في أية مفاوضات مع إيران. وهو بالطبع ما لم يحدث.
لم يتضمن الاتفاق – فوق كل ذلك – التزاماً إيرانياً بالتوقف عن تخصيب الأورانيوم الى مستوى عشرين في المئة والذي بدأت به قبل شهور قليلة فقط، وهو ما يعد مكسباً إيرانياً إضافياً. وفي النهاية نص الاتفاق على ضرورة موافقة الدول الغربية على الاتفاق قبل أن تقوم إيران بتوريد الوقود النووي إلى تركيا، وهو ما يعني تحلل إيران من بنوده في حال الرفض الغربي له وعدم نقل كمية الأورانيوم المنصوص عليها خارج الأراضي الإيرانية. وكلها كما يبدو بوضوح مكاسب إيرانية صافية تعزز مكانة إيران التفاوضية أمام الغرب، وتحسن صورتها الدولية باعتبارها الطرف العقلاني الراغب في التوصل إلى اتفاق، في حين يرفض الغرب ما سبق أن عرضه رسمياً قبل شهور.
هنا يكمن المضمون الأساسي للتحفظ الغربي وللبراعة الإيرانية. أما في ما يخص تركيا فقد حصدت مكاسب إضافية من نجاح الاتفاق تتعلق بوضعها الجديد باعتبارها "المرجعية الإقليمية" للمنطقة، والطرف الذي يستطيع نزع فتيل الأزمات المستعصية في الشرق الأوسط، وهو ما لا تستطيع الأطراف الغربية لاعتبارات متنوعة تحقيقه. وبخلاف هذه الوضعية الجديدة تبدو لتركيا مصالح أعمق في الملف النووي الإيراني، لأن امتلاك إيران القدرات النووية العسكرية سيعني اختلال ميزان المنافسة الإقليمية التاريخية بين أنقره وطهران لمصلحة الأخيرة. وفي الوقت ذاته فإن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، سيعني فراغاً في القوة على المساحة الإيرانية، يتوقع أن تشغله الهند في الخليج وروسيا في شمال إيران. ولما كانت روسيا هي التهديد الاساسي للأناضول طوال القرون الأربع الماضية، فإن توجيه ضربة عسكرية ناجحة إلى إيران سيعني توجيه ضربة إلى التوازن القائم بين روسيا وتركيا لغير مصلحة الأخيرة. بين هذين الحدين تكمن المصالح التركية، وفي هذا الفضاء تحركت سياستها الخارجية النشطة لتحقيق أفضل ما يمكن في ملف ملتهب وبيئة دولية ضاغطة وإقليمية مرتبكة، خصوصاً مع هامش الاستقلالية الكبير الذي تملكه أنقره في مواجهة واشنطن، في ظل حاجة الثانية إلى الأولى على ساحات شرق أوسطية متعددة.
تبدو البرازيل في عداد الرابحين من الاتفاق الإيراني-التركي-البرازيلي، حيث أفلح الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في إخراج بلاده من عزلتها الجغرافية وراء المحيط الأطلسي ووضعها في قلب الأحداث في الشرق الأوسط والعالم بمقتضى هذا الاتفاق. وهكذا بقدرة لولا دا سيلفا على القراءة الدقيقة لموازين القوى؛ تحولت بلاده من قوة إقليمية في أميركا الجنوبية إلى "وسيط دولي" و"متحدثة بإسم العالم الثالث"، ودون أن تصطدم في ذلك تماماً بالمصالح الأميركية. اتفق الجانبان الإيراني والبرازيلي على رفع تبادلهما التجاري من مستوى 1,2 مليار دولار عام 2009 إلى 10 مليارات دولار في 2010، وكذلك على إبرام اتفاقات مصرفية مع ايران تصدر البرازيل بموجبها مواد غذائية الى إيران، والأهم أن تفتتح البرازيل فروعاً لمصارفها في ايران.
ولو تحقق هذا الأمر ستربح طهران معركة غير منظورة أخرى، لأن البرازيل لها تشابكات مع النظام المصرفي الأميركي، وبالتالي سيجعل افتتاح المصارف البرازيلية في إيران، الأخيرة قادرة على اختراق النظام المصرفي الأميركي، عبر البرازيل. وفي النهاية فإن العقوبات المصرفية المقبلة عليها بموجب مشروع القرار الجديد من مجلس الأمن ستكون بلا معنى كبير. كما تستطيع البرازيل –نظرياً- الاستثمار في التنقيب عن المعادن في إيران، والتي تحوي أراضيها على الكثير منها. ولأن إيران في ظل الحصار المفروض عليها ونفقات البرنامج النووي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة والمعارف التقنية المطلوبة لذلك التنقيب، سيشكل الاستثمار البرازيلي في التنقيب – في حال حدوثه – فائدة قصوى للطرفين. والجدير بالذكر هنا أن مشروع القانون المعروض على مجلس الأمن لا يتضمن حظراً على أنشطة التعدين في إيران. وكل ذلك يعني مكاسب صافية للبرازيل في إيران والمنطقة. في النهاية تعرف ريو دي جانيرو أن إيران المهمة في الشرق الأوسط لا تعادل في أهميتها أميركا للبرازيل، لذلك توازن ريو دي جانيرو علاقاتها بكل من واشنطن وطهران وفي الوقت نفسه تستمتع بظهورها القوي على الساحة الدولية.
تعاني إدارة أوباما من أزمة مستحكمة في إدارتها لملف العلاقة مع إيران، فهي غارقة في المستنقع العراقي وتريد مساعدة إيران كي تسحب قواتها في الموعد المحدد نهاية الصيف الجاري، وهي تريد مساعدة إيران في التضييق على حركة "طالبان" في أفغانستان، وهي مع كل ذلك غير قادرة على تغيير سلوك إيران بالتفاوض. وعلى الناحية المقابلة لا تبدو واشنطن قادرة على توجيه ضربة عسكرية إلى إيران بسبب اختلال التوازنات – من المنظار الأميركي – على امتداد الشرق الأوسط. وتعاني واشنطن من صورتها في العالم الإسلامي، إضافة إلى اختلال التوازنات في بؤر الصراع الرئيسة الثلاث: الهندي-الباكستاني والعراقي- الإيراني والفلسطيني – الإسرائيلي، لذلك لدى واشنطن دوافع قوية للدخول في حوار مع إيران وفتح قنوات للحوار معها.
ولكن المعضلة الأميركية تتجسد في الثمن الذي تطالب به إيران لقاء ذلك، أي اعتراف أميركي بدور إيران الإقليمي في الخليج وضمانات لنظامها السياسي. ويزيد "في الطنبور نغمة" أن الاتفاق الثلاثي يعزز وضع إيران التفاوضي ويضعف موقف واشنطن في الوقت عينه. أظهرت إيران نفسها بموجب الاتفاق باعتبارها الطرف الراغب في التفاوض، أما واشنطن فقد جاء العرض وهي في موقف أضعف عما كانت عليه شهر تشرين الاول الماضي. لذلك وبعد يوم واحد من إعلان نجاح الاتفاق الثلاثي، رفضته واشنطن ومعها الدول الكبرى الأخرى، وشرعت في مناقشة مشروع حزمة العقوبات الرابعة. ومع كل ذلك يبقى مشروع العقوبات الجديد بلا أسنان حقيقية تستطيع التأثير في حسابات الجدوى السياسية لطهران، لأنه لا يتضمن حظراً على توريد البنزين إلى إيران، وهي التي تستورد 40 في المئة من احتياجاتها من البنزين من الخارج.
ربما تملك إدارة أوباما ورقة مازالت مخفية في ثنايا ملابسها، وهي مشروع قرار تم تقديمه إلى الكونغرس يستهدف قطاع النفط الايراني وبالتحديد صادرات البنزين إلى إيران (الشركات التي تبيع البنزين إلى إيران، السفن الناقلة، المصارف التي تمول، مقدمو الخدمات الملاحية وكذلك الشركات التي تقدم معونة فنية). مازال مشروع قرار الكونغرس قيد النظر دون التصويت عليه أو حسمه، والأرجح أن إدارة أوباما ستستعمله كورقة مساومة مع إيران عند حلول موعد مغادرة قواتها العراق بعد شهرين ونصف من الآن. لا يفوت في النهاية التذكير بأن الاتفاق الثلاثي لا يعكس تضامناً تركياً-برازيلياً عاطفياً مع إيران، بقدر ما يعكس موازين القوى الراهنة وبدقة -مثله مثل أي اتفاق-، ولو توسطت كندا واليابان مع إيران بدلاً من تركيا والبرازيل لما أمكنهما التوصل إلى شروط أفضل لأميركا. تتناسى إدارة أوباما قاعدة استراتيجية ثابتة في العلاقات الدولية، لأن ما عجزت عن انتزاعه من إيران بوسائل الضغط والتهديد بضربة عسكرية، لن تستطيع الحصول عليه على موائد التفاوض!
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة)
"النهار"




















